جغرافيّات شخصية
هل يعني العثور على الأماكن أكثر من مجرد تحديد مواقعها على خريطة؟ وماذا وراء الأسماء؟ وما المكان؟
تتحدث أسماء الأماكن عن الناس والشعوب والجماعات وعن صيغ جمع أخرى وتعدديات أخرى، عن الدوام والثبات والخلود والاستقرار، عن الانتماء وألفة البيت، عن التحديد والوضوح والحقائق. تستدعي الذكريات وتثير الحنين في المشتاقين (وساعدت ابن سينا على تشخيص أمراض العاشقين).
لكننا كثيرا ما نسافر (عائدين) إلى حيث ننتمي أو انتمينا ذات مرة بواسطة كلمات وصور، أصلية وأجنبية - لا بواسطة خطوط سير مادية - فتُكثف الكلمات والصور ذلك الحضور، ذلك الوعي المُسكر والمعلِّل بمعنى أن يكون المرء نفسه، في بيته، راغبا في المزيد من الوصول. إلى الأماكن التي نجيء منها، لا نغادرها قط ولا نذهب إليها قط، ولا بد أننا إليها عائدون. الأماكن التي تشكلنا ما دمنا نخلقها باستمرار.
لعل خريطة تساعدنا، شريطة أن نمارس النوع المناسب من فن رسم الخرائط. فقد كبرنا ولم نعد أطفالا يحلون لغزا ويكونون شكلا نهائيا جاهزا بالقطع المبعثرة. لا شيء هنا من قبيل صورة كاملة واحدة تسمى الوطن، على غرار ذلك الكائن باطمئنان داخل خطوط الطول والعرض المحددة وفي كتب التاريخ المدرسية.
من شأن التفكير في وطن من شذرات أن يؤدي إلى شيء أشبه بتشارُك مجموعة تكويناتنا الفسيفسائية، إلى كون وطننا المنشود هو بالضرورة أرخبيل شبيه بالكوكبات مبعثر في كل أنحاء العالم، كما في الخيال… و"إن شئت كما في السماء" (إيليا سليمان، ٢٠١٩). فهل سنضيِّع فلسطين أكثر إن صار لكل فلسطينه ولكل "جزائرهم" (لينا سوالم، ٢٠٢٠)؟ أم أننا هكذا فقط قد نهتدي إلى هذه وتلك، إلى أماكننا جميعا، ونعود إلى بيوتنا، أخيرا؟
وهل إلى تونسها أم إلى مغربها الكبير أم إلى جنوبٍ ما ستصل الشابة التي بلوعة الفراق تخاطب السائق "يا عم الشيفور" (بيّة المظفر، ٢٠٢١) إذ تجمع أشلاء الخريطة بتأنٍّ لتلبي استغاثة رفيقها التائه و"تُعجِّل متمهلة"؟ وأشلاء من وماذا تلك التي يجمعها طفل آخر كَبُر من أجل "عودة أوزيريس" (عيسى غريّب، ٢٠١٩)؟ أشلاء لحظة، صورة، جندي سقط في المعركة، عم أو خال أو أب مات، بيت الطفولة.
من هذه الأفلام يتكون برنامج الأفلام "جغرافيّات شخصية"، من فيلمين طويلين - روائي ووثائقي - واثنين قصيرين قائمين على اللقطات المكتشفة، ويأتي ضمن سلسلة برامج السينما الرحالة من سينما عقيل وكجزء من برنامج معرض٤٢١ لشتاء ٢٠٢٢، في تعاون جديد بينهما. يستجيب البرنامج لمعرض "اللغة مهاجرة"، للقيِّمة أنوشكا راجندران، والمقام في معرض٤٢١، والذي يمثل نسخة أبو ظبي من مهرجان كولومبوسكوب السابع، وهو منصة سريلانكية للفنون المعاصرة والحوار متعدد التخصصات.
![]() |
















