جغرافيّات شخصية

هل يعني العثور على الأماكن أكثر من مجرد تحديد مواقعها على خريطة؟ وماذا وراء الأسماء؟ وما المكان؟

تتحدث أسماء الأماكن عن الناس والشعوب والجماعات وعن صيغ جمع أخرى وتعدديات أخرى، عن الدوام والثبات والخلود والاستقرار، عن الانتماء وألفة البيت، عن التحديد والوضوح والحقائق. تستدعي الذكريات وتثير الحنين في المشتاقين (وساعدت ابن سينا على تشخيص أمراض العاشقين).

لكننا كثيرا ما نسافر (عائدين) إلى حيث ننتمي أو انتمينا ذات مرة بواسطة كلمات وصور، أصلية وأجنبية - لا بواسطة خطوط سير مادية - فتُكثف الكلمات والصور ذلك الحضور، ذلك الوعي المُسكر والمعلِّل بمعنى أن يكون المرء نفسه، في بيته، راغبا في المزيد من الوصول. إلى الأماكن التي نجيء منها، لا نغادرها قط ولا نذهب إليها قط، ولا بد أننا إليها عائدون. الأماكن التي تشكلنا ما دمنا نخلقها باستمرار.

لعل خريطة تساعدنا، شريطة أن نمارس النوع المناسب من فن رسم الخرائط. فقد كبرنا ولم نعد أطفالا يحلون لغزا ويكونون شكلا نهائيا جاهزا بالقطع المبعثرة. لا شيء هنا من قبيل صورة كاملة واحدة تسمى الوطن، على غرار ذلك الكائن باطمئنان داخل خطوط الطول والعرض المحددة وفي كتب التاريخ المدرسية.

من شأن التفكير في وطن من شذرات أن يؤدي إلى شيء أشبه بتشارُك مجموعة تكويناتنا الفسيفسائية، إلى كون وطننا المنشود هو بالضرورة أرخبيل شبيه بالكوكبات مبعثر في كل أنحاء العالم، كما في الخيال… و"إن شئت كما في السماء" (إيليا سليمان، ٢٠١٩). فهل سنضيِّع فلسطين أكثر إن صار لكل فلسطينه ولكل "جزائرهم" (لينا سوالم، ٢٠٢٠)؟ أم أننا هكذا فقط قد نهتدي إلى هذه وتلك، إلى أماكننا جميعا، ونعود إلى بيوتنا، أخيرا؟

وهل إلى تونسها أم إلى مغربها الكبير أم إلى جنوبٍ ما ستصل الشابة التي بلوعة الفراق تخاطب السائق "يا عم الشيفور" (بيّة المظفر، ٢٠٢١) إذ تجمع أشلاء الخريطة بتأنٍّ لتلبي استغاثة رفيقها التائه و"تُعجِّل متمهلة"؟ وأشلاء من وماذا تلك التي يجمعها طفل آخر كَبُر من أجل "عودة أوزيريس" (عيسى غريّب، ٢٠١٩)؟ أشلاء لحظة، صورة، جندي سقط في المعركة، عم أو خال أو أب مات، بيت الطفولة.

من هذه الأفلام يتكون برنامج الأفلام "جغرافيّات شخصية"، من فيلمين طويلين - روائي ووثائقي - واثنين قصيرين قائمين على اللقطات المكتشفة، ويأتي ضمن سلسلة برامج السينما الرحالة من سينما عقيل وكجزء من برنامج معرض٤٢١ لشتاء ٢٠٢٢، في تعاون جديد بينهما. يستجيب البرنامج لمعرض "اللغة مهاجرة"، للقيِّمة أنوشكا راجندران، والمقام في معرض٤٢١، والذي يمثل نسخة أبو ظبي من مهرجان كولومبوسكوب السابع، وهو منصة سريلانكية للفنون المعاصرة والحوار متعدد التخصصات.

 

 

cinema-akil-60f0116964daa.png (original)  



وراء خطوط النهاية: خرائب الزمان ونهاية المكان

في مواجهة حقائق عديدة، ليس يوجد أي حل فوري. إن مصطلح "حل" لا يمكن أن يرقى إلى مستوى المأسوي. يترتب علينا نحن أن نلمسه وأن نمكنه من أن يلمسنا. إن تسميته يمكنها أن تجعل منا بشرا مختلفين. المأسوي، إذ نسميه، يبقى مأسويا – لكنه يفقد أثره بما هو مجرد أخبار سيئة. إذّاك فقط يمكننا أن نفكر في قيام سياسة واقعية. (جون برجر)

تقوم قصة حمور زيادة القصيرة "النوم عند قدمي الجبل"، كما يقوم الفيلم المأخوذ عنها، «ستموت في العشرين» (أمجد أبو العلا، ٢٠١٩)، على أساس قوي الدلالة والإمكانات الدرامية: يعرف ولد (مزّمل) منذ أن يعي، ويعرف كل من حوله منذ وُلد، أنه، وفقا لنبوءة، سيموت يوم يتم العشرين. نهاية القصة غامضة بعض الشيء، أما الفيلم الذي يفترق عنها كثيرا فيختار نهاية تجعل القوة والدلالة محسوستين أكثر حتى من ذي قبل: ينظر الولد فيجد نفسه حيًّا، لقد عاش وسيعيش ولم يمت في العشرين، وكما يغادر حياته الأولى في ظل الموت يغادر القرية. كما تصلح لتأويل يشير إلى وضع مجتمع بلا مستقبل أو فرص حياة، تهدم هذه الاستعارة الحادة حقائق كبرى، تفتح طريقا للخروج من لعنة الأساطير القديمة والحديثة وإمكانية تحررية لإعادة تخيل الزمان والمكان.

"السينما"، كما تقتبس بيّة المظفر في المقابلة المصاحبة لهذا المقال، "هي شكل يفكر" (غودار). وما يبقى من «ستموت» ويصله بالسينما العربية المعاصرة الفنية ومنها أفلام برنامجنا هذا، وباتجاه فكري جمالي محفور في صميمها هو أساسه الهدمي هذا، والذي يبقى في «ستموت» محصورا في الحبكة الروائية دون أن يمس الشكل، إذ يتورط هو نفسه، للمفارقة، في أسر نسخة علمانية من الأسطورة، أسطورة من أساطير السياسة الحديثة في هذه الحالة. إن الكلمة الإنجليزية التي تعني "موعد التسليم النهائي"، والرائجة بشدة في دنيا العمل اليوم، تعني حرفيا "خط الموت"، وأصلها الذي تزعم القواميس أنه معنى انتهى تاريخيا يعود إلى عالم السجن، حيث رُسم حوله خط وهمي يحق للحراس إذا تجاوزه مسجون أن يطلقوا النار عليه لإردائه قتيلا. يكتشف مزمل الحياة بعد خط الموت المفترض. وتستكشف أفلامنا العربية المعاصرة هذه الما-بعد أثناء قيام وانهيار الثورات العربية واحدة بعد الأخرى، تستكشف خبرة النفي خارج الحدود وخارج التقاويم الزمنية ("الربيع" هو أحد هذه التقاويم)، وتتأمل إمكانات الحياة والفعل والتفكير السينمائي بعد الفشل والضياع والهزيمة، بعد "النهاية"، أي الحياة في ظل كل هذا، من دون نكوص لاستدراك ما فات، متلمسة طريقها في الظلام إلى معانٍ وأدوات ولغات جديدة، بشروط جديدة تمام الجدة.

هذا الاتجاه الما-بعدي له سوابق مهمة في العالم، لكن أصوله تعود في حالة العالم الناطق بالعربية إلى فلسطينيين في المقام الأول، إلى فلسطين الما-بعد في أفلامهم. وربما تكون وعود باتجاه مماثل قد أجهضت ليُستوعب سريعا بعد ١٩٦٧ في مصر. ولعل هذه الما-بعد تأخرت في السينما الفلسطينية عنها في الأدب الفلسطيني، حيث يمثلها بامتياز، وبمفرده تقريبا لزمن طويل، إيميل حبيبي، والذي لعل الما-بعدية بدأت على تقويمه في ١٩٤٧، عندما قبِل هو وفريق من الشيوعيين قرار التقسيم، وبلغت ذروتها الإبداعية في درة أعماله «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل». نص حسين البرغوثي، «الضوء الأزرق»، المصنف من قبل ناشره سيرة، هو مثال قوي آخر على حساسية مغايرة في تصوير وضع "الفلسطيني" في العالم، إلى حد لا يحتمل ألف لام التعريف في غياب التمثيل. لكن الأهم حتى من ذلك أن نص البرغوثي شديد التنافر إذا وضعناه في سياق تراث أدب الرحلة إلى الغرب المكتوب بالعربية. فهو "لا يأخذ من بنية السفر بنية للسرد،" كما تشرح إيمان مرسال، "كأنه لم يحدث سفر، كأن رحلة الراوي تكمن في تقاطعها العنيف مع مدينة محددة." تُخضع مرسال هذا التخييل (أي غياب التسجيلية) لطرح يعيّن مصدره في "رفض الراوي لأن يكون "ضيفا" بالمفهوم الدريدي، وأن يعرّف نفسه أمام صاحب البيت" و"تفاديه وضعية الكاتب "الموجود في غير مكانه" في الغرب"، فاحصة العلاقة المحتملة لرفض كهذا بـ"تفكيك ما يسمى "هوية"".

 

«إن شئت كما في السماء»: فلسطين؟

"وُلدت ببقع بارزة حمراء واضحة المعالم على كل جسدي ووجهي، على شكل أرخبيل أو قارات ضخمة؛ خريطة للعالم من نوع حميم مخصوص. … عندما كنت في الثامنة، استقروا أخيرا على تشخيص: إيريثروكيراتوديرميا فاريابيليس. إنها متلازمة نادرة ، مرض جلدي أكثر ظهورا على الإناث، يسببه ما يسمونه "الظروف العرضية للعوامل الوراثية البشرية." … ثم سألتني طبيبة الجلدية عما إذا كانت هناك هجرات متقاطعة بين بلدي والديّ ... فلسطين والجزائر." (لينا سوالم
"في فترة الاستعمار التي لا يواجه فيها مقاومة مسلحة، وعندما يتجاوز مجموع المهيجات العصبية المؤذية عتبة محددة، فإن الآليات الدفاعية عند السكان الأصليين تنهار لينتهي الحال بالكثيرين منهم في مؤسسات العلاج النفسي. وهكذا ففي غمار هدوء هذه الفترة من الاستعمار المظفر، يتدفق تيار ثابت ومعتبر من حالات المرض العقلي هي نتاج مباشر لهذا الاضطهاد. أما اليوم فإن حرب التحرير الوطنية، التي شنها الشعب الجزائري لسبع سنوات، قد صارت أرضية خصبة محبَّذة لتفريخ الاضطرابات العقلية، لأنها من ناحية الجزائريين حرب شاملة." (فرانتس فانون)

شكلت لحظة الما-بعد المركبة الممتدة بين أول عقد ١٩٩٠ وأوائل الألفية (أي، على الصعيد الفلسطيني، ما بعد أوسلو وما بعد الانتفاضة الثانية)، مناسبة لتفجر جديد لسينما فلسطينية داخل وخارج الخط الأخضر، ميزها حس نقدي يسائل أيضا الهوية الفلسطينية ويستكشفها، إلى جانب "ابتعادها الواعي عن النزعة البطولية الثورية السابقة" وعن الطابع الدعائي، بينما "تؤكد على الاختلاف داخل المجتمع الفلسطيني." (Shafik). وبعد عقد إضافي يكتب حميد دباشي: "منذ سنوات كتبت: "عندما تتحرر فلسطين سيكون إيليا سليمان هناك، في انتظارها."" معقبا: "تلك العندئذ هي الآن - وذلك الآن اسمه الربيع العربي." انقشعت تلك الآن والعندئذ في غياهب الماضي و/أو الأفق، وأتى فيلم سليمان الجديد «إن شئت كما في السماء» (٢٠١٩) ليعود إلى عالم مشابه بصورة غريبة ومقلقة لعالم فيلمه الطويل الأول «سجل اختفاء» (١٩٩٦)، ويمكننا أن نتلقاه كتذييل للثلاثية كلها (التي استمرت مع «يد إلهية»، ٢٠٠٢، و«الزمن الباقي»، ٢٠٠٩)، على نحو يؤكد على الوضع العالق، والهمود والعطالة، وعلى الدائرية، ويوحي باستمرار صلاحية لغة سليمان الأولى للتعامل مع "مسألة فلسطين" اليوم، المتجددة ليس فقط بعبثيتها وقسوتها، وإنما أيضا باتساع رقعتها. لكن هناك لمحات بارزة من عالم "اليوم" بل وعالم "غد" الفيلم.

يهيئنا مشهد إطلاق السردية المنفصل، جريا على أسلوب سليمان، لمزيجه الخاص من العنف والسخرية والجدية، ومتابعته الدؤوبة لفقدان الناس عقولهم تحت السلطة الاستعمارية - والآن أيضا في ظل دولة العسس المعولمة - وانخراطهم في مصارعات ديكة بشرية لامعقولة، وهو الجنون نفسه الذي يتيح متنفسا للهزء بكل هذا الكيان الثقيل، ويكسب مسيرة الميلاد التقليدية في الناصرة مزيدا من الدفء الاجتماعي وخفة الروح، ينتقص من جهامتها ومن جلالة القصة، المحورية في السرديات الدينية للصراع. هل يسخر سليمان أيضا من نفسه بالإشارة إلى قيامة المسيح، إذ يعود بفيلم من السهل ألا نرى فيه جديدا بعد ١٠ سنوات من ظهور آخر أفلام الثلاثية؟ (في المشهد الموازي من فيلمه السابق هناك لعب على اسم إيليا.)

كما لاحظت رشا سلطي، فإن شخصية إيليا المؤداة تناسخ لحنظلة ناجي العلي في زمن السلطة الفلسطينية (Salti). وعادة ما تقارَن كذلك بجاك تاتي وبستر كيتون. ولعلها أيضا تمت بصلة إلى متصعلك فالتر بنيامين، التي أداها بنيامين نفسه في حياته الباريسية لأغراض اكتشاف الماضي. بينما كان المتصعلك/المؤرخ/الشاعر/بنيامين يخوض في الحشود، يتصعلك إيليا في أماكن خلت من سكانها منطلقا من الناصرة إلى باريس إلى نيويورك، ومن المستحيل ونحن نشاهده، في ختام العام الثاني للجائحة، ألا نرتبك ونندهش من الالتباس بين المعاني القديمة والجديدة، المؤكد على الفجوة الزمنية الآخذة في ابتلاع العالم.

ثيمات سليمان الأثيرة وموتيفاته وسماته الأسلوبية حاضرة كلها: "جارْنا"، المسبّات، أغاني الحب وموسيقاه المفضلة، المعصوب الذي يرى، التصميم الحركي والمسرحة والتناظر المؤطر للفوضى والسوريالية، اللعب العبقري بالكليشيه لإعادة خلقه (الفلسطينية حاملة الطنجرتين—شبح فلسطين نفسها). لكن الاختلاف الأساسي هنا أننا نرى أخيرا ما وراء المطار، ليمد سليمان قوة ملاحظته النقدية اللاذعة إلى المدينتين الغربيتين اللتين عاش وعمل فيهما، حيث يستمر إيليا المقبل على الستين في المقاومة السلمية الوديعة، الانسحاب والصمت المندهش، أثناء محاولة إيجاد معنى ونظام ومنطق للحفاظ على العقل والسلامة، باستثناء ما قد يكون تحية لفانتازيات البطولة الخارقة في «يد إلهية» في مشهد عصا المسح الأمني في المطار.

وتلتحم تجربة السفر بسيناريو الفيلم المرفوض داخل الفيلم الانعكاسي، في مشهد الحكم عليه من قِبل المنتج الفرنسي بأنه "فيلم غير فلسطيني بما يكفي قد يدور في أي مكان آخر." هل يفسر هذا جزئيا غياب السنوات العشر؟ هل يؤكد أيضا على أن فلسطين صارت في كل مكان وفي اللامكان؟ منذ البداية مثّل الإنتاج المشترك لصناع الأفلام الفلسطينيين المنفيين كسليمان السبيل الوحيد للوصول إلى التمويل (Shafik). وإذْ تصف إيريت نيدهارت العملية بـ"الإنتاج المشترك للذاكرة" تُطرح تساؤلات عن الأرشيف والتلقي والمنشأ (Neidhardt)، تفضي إلى تساؤلات حول "جنسية" هذه الأفلام والمعاني التي تكتسبها عبارة "سينما عربية".

 

الجزائر "جزائرهم"؟

"المؤكد هو أن الوطن مستقبل يقوم أساسه المفترض على مبادئ المساواة العالمية. … كانت هناك دائما إستراتيجية إعادة أنسنة تمثل نزعة قوية داخل الأدب الفلسطيني." (بشير أبو منة)
"ما هو استثنائي وفاجع في الكارثة هو كونها النقطة التي ينهار فيها التاريخ. واليوم عندما نطرح سؤال المستقبل فإننا لا نقوم بذلك من موقع آخر سوى من موقع الكارثة، أي من موقعنا داخل الفراغ الذي خلفه ذلك الانهيار. لذلك سيحسن الأدب صنعا إذا حرص على ألا يغيب سؤال الكارثة عن باله عند وقوفه أمام سؤال المستقبل اليوم. … [لا] ننتظر منه أعمالاً تخبرنا عن الكارثة، أو تجعلنا نتخيل مكانا بديلا عنها، بل بالأحرى ننتظر منه أعمالا كارثية. لن تكون الكارثة موضوع هذه الأعمال، وإنما ستكون شرط كتابتها." (هيثم الورداني

في «جزائرهم» (فيلم لينا سوالم الأول، ٢٠٢٠) نشاهد سينما "منفى" آخر، جزائرية بهذا المعنى أولا وأخيرا لا بمعاني الإنتاج القديمة في زمن القطاع العام والخاص لصناعة السينما العربية في موطنها الأصلي. وكما في «عالم ليس لنا» (مهدي فليفل، ٢٠١٢) تبدأ رحلة صنع الفيلم في ما قبل تاريخه، من والد الصانع/ة في زمن انتشار كاميرات الڤيديو المنزلية (الزمن المسجل بالدقيقة يظهر ويختفي)، بينما نرى طفولة الصانعة، والأب في ملابس العمل كمهرج إيمائي، ثم وهو يحاول من وراء الكاميرا مقاومة فرنستها، ليربك طلبه الجد والجدة لحظة طويلة قبل العثور على كلمات عربية يوجهانها للطفلة—ولنا أيضا إذ يعثران على كلمة واحدة ويرددانها هي صيغة الأمر من مرادف للفعل ينظر. تعقب ذلك قفزة للزمن الحاضر بمحادثة ڤيديو (بدون زمن أو تاريخ)، ونرى من خلالها البيت الخالي من سكانه ومحتوياته، إذ انفصل الجد والجدة بعد زواج دام ٦ عقود، بدأت عشية حرب الاستقلال الجزائرية.

على مدار الحوار المتعدد الذي ينعقد في صلب كيان الفيلم - إذ يفسح له السرد الصوتي ويَدخل السرد البصري - نشهد حقا مظاهرتين فرديتين تأخر خبرهما عقودا، يتقاطع صوتهما مع الحوار الصامت بين الجد (مبروك) والجدة (عايشة)، مظاهرة عاملة وعامل ومظاهرة زوج وزوجة. الأخيرة هي الأكثر التحافا بالصمت (الساخط والساخر من ناحية عايشة المرحة، وعديم التعبير تقريبا من ناحية طليقها المنسحب في الكآبة)، أما الأولى فتدور حول زوجة/أم/جدة تناضل للتقاعد عن العمل المنزلي غير المأجور (وغير المشكور) الذي بدأ من الطفولة في ريف الجزائر. أما الجد فيتظاهر ضد فرنسا وما فعلته بالعمال الجزائريين—حرف الجر مزدوج الدلالة وإن شوشر على المعنى الثاني إقرار مر بتفوق الفرنسيين. تقدير مبروك الخافت لنجاح الابن قادم من إكبار القدرة على انتزاع المعيشة والاحترام - وبعمل غير يدوي - في البلد التي راكمت الثروة. والفخر بخبرة العمل يبوّخه حسد فرنسا والحزن على المصنع المهجور، الذي آلت منتجاته إلى متحف المُدِيّ في مدينة تيير (وليس على المنزل المهجور، على عكس ما تعبر عنه زيارة الأم له). تستمر روح المشهد الافتتاحي في انطلاق الشخصيتين مع حفيدتهما، التي ستثبت أنها الرابطة المباشرة غير المتوقعة مع الوطن.

لم تعتذر الدولة الفرنسية عن مذبحتها للمتظاهرين الجزائريين في باريس ١٩٦١ إلا في ذكراها الستين، غداة ظهور الفيلم الذي تتجاور فيه شهادة مبروك مع صوت الرواة (خارج الكاميرا) في وثائقي جوهرة عبود وآلان بونامي النادر «علي في بلاد العجائب» Ali au pays des merveilles (١٩٧٥) الذي أعيد اكتشافه في الفترة نفسها بعد ترميمه أخيرا، حيث تتعاقب مشاهد شقاء الجزائريين وغيرهم من أبناء المستعمرات السابقة، في مواقع الحفر والبناء والمساكن الفقيرة ومسارح الجريمة، ويؤكد الراوي الرئيسي على رفض البقاء هنا/ك للأبد وضرورة العودة لبناء "الجزائر الديمقراطية الشعبية"، متمسكا في الوقت نفسه بحقه كمحارب قديم في صف فرنسا، وهو الحق الذي أعطته شهادة فاطمة المغربية في «أحببت بشدة» (دليلة الناظر، ٢٠٠٨) صرخته الأخرى المفقودة، من امرأة أجبرت على أن تحارب في صف المستعمر بجسدها (الجنسي).

الجزائر أيضا هنا/هناك، "الجزائري[/ة] جزائري[/ة]"، لكن ما معنى ذلك؟ العائلة الكبيرة هنا وهناك، وهنا تشمل القبور. الجزائر في… عرس في… تيير في… شريط الڤيديو في… خيال طفولة صانعة الفيلم. تلك جزائرهم وهذه جزرهم—أصل تسمية البلاد على يد سلالة حاكمة قديمة كما في جغرافيا الإدريسي و«معجم البلدان» للحموي. انفصال الطليقين وخبرتيهما تجسيد جنوسي لتحول الوطن أكثر فأكثر إلى أرخبيل متباعد. من هاتين الجزيرتين البشريتين، ومن ذريتهما، يولّد الكلام وتستنطق الذاكرة وترصد خريطة الصمت والنسيان—وبين جزر العربية الجزائرية المتناثرة في ثنايا الفيلم (حسب قانون مراوغ يخص الزمن والسياق). فما جدوى الكلام (في السؤال البلاغي لسان حال الجد)؟ ما الذي نحكيه؟ وفيم النظر إلى تلك الصور المؤلمة، صور الآباء والأمهات الثكالى في الوطن في حياة شتات أبنائهن وبناتهن؟ "لم نتحدث أبدا عن هذه الصور" تقول لينا لأبيها، "لم تقل لي شيئا أبدا" قال والدها لأبيه. الذاكرة طفولية كما تعجب راوي «الأيام» (طه حسين): مقابل عدد شجرات المشمش (ذاكرة مبروك) وتاريخ يوم الزواج (ذاكرة عايشة) تنسى لحظات وفصول كبيرة و/أو يُصمت عنها. "كما في الأفلام" هي ذاكرتها الباقية، خلف الضحك المرتبك، عن ليلة الدخلة (حتى الفرنسية التي سمحت للراوية بالحديث عن الحب في رواية آسيا جبار L'Amour, la fantasia، النصف سيرية ونصف تاريخ استعمار، لا تسمح به هنا)، ووثائقي فرنسي قديم متعاطف مع الجزائريين يشير إلى مصدر معرفتها المتأخرة بما كان يحدث حولها، بينما كانت هائمة في جزائر طفولتها دون أن تدري ما الذي يحدث وكيف ومنذ متى.

هذه الرحلة هي أيضا رحلة علاج جماعي لأسرة تمارس علم نفس الاستعمار، تكشف عن عنفه المتبقي وعمليات تقسيمه المتنوعة بعيدة المدى، وإدخاله البشر في وضع العالقين على كل مستوى. إلى فرنسا فلا عودة، حيث كان من الخطأ الذهاب (حتى لم يعد كذلك)، بينما "العودة" (إجبارا على الأقل) محتملة في كل لحظة من لحظات التصريح المؤقت، الذي يجدد كل عدد كبير من السنوات كافٍ لمزيد من الإيغال في النسيان والتذكر والاستقرار والهشاشة. وهذه الأسرة تنضم إلى مشروع سينمائي وأدبي ضخم انطلق في العقود القليلة الماضية، حيث يدرس أبناء وبنات المنطقة، والعائدة أصولهم إليها، آباءهم وأمهاتهم والعلاقة بهم، والذات وتاريخ البلاد من خلال هذه الدراسة الحميمة.

 

«فستينا لنتي يا عم الشيفور»: من أين وإلى أين؟ تونس؟ المغرب الكبير؟

"هل بوسعنا الهجرة إلى "جُرح سؤال" حيواتنا؟ إلى الشعر نفسه؟" (سيسيليا فيكونيا)
"يستطيع الفن أن يكون أرضا ظئرا خصبة تسمح لمخيلة سياسية مفلسة بأن تجدد نفسها. يستطيع الفلسطينيون أن يكتبوا مستقبلهم بالفيلم. هذه أيضا سينما "ما بعد أوسلو"." (رشا سلطي)

بالفجر وفاتحته وصلاته يبدأ فيلم بية المظفر الأول (٢٠٢١) وبالطفولة ينتهي، من بداية إلى بداية. وعلى النحو الذي وصف به دولوز كيف يمكن لأداء اللغة أن يجددها ويحييها، عن طريق نص وعالمه يتلعثمان إذ يتلعثم صوت المتكلم، وبهذا نصل إليه من وراء اللغة (Deleuze)، يرتعد فيلم المظفر ويتأتئ ويتعثر ويتلجلج ويلحَن حول لعثمة الطفل (التونسي؟)، الذي يتهجى الكلمات الفرنسية الختامية التي يقرأها خارج الصورة، يتلعثم بدءا من عتبة عنوانه متعددة اللغات ومستوياتها: لاتينية مجتمعة بالدارجة التونسية، المشوبة بالعربية الكلاسيكية والفرنسية المعرّبة. والتلعثم اللغوي - لغة الكلام والصور والأصوات التي تجترحها المظفر، وتتبع نظام كتابة سينمائي لا تتتابع سطوره في اتجاه واحد، وإنما تتقاطع وتتداخل وتتطابق وتتراكب وتتشعب وتترتب وتنفرط، في كل اتجاه في كل نقطة - ينسحب على الشعور بالزمان والمكان: الضياع في الجغرافيا والتاريخ، في انتظار الاستجابة الإلهية لصلوات لا حصر لها من أجل الصراط المستقيم.

الطرق موزعة في الأرض والسماء، وعبر تضاريس ترسم خريطة الاستحالة الزمكانية، في انتظار ما يجمع شتات هذا الانفجار العظيم، ويوفق بين كل تعارضين كلاهما صحيح تماما وغير كافٍ وحده بالمرة: ميكانيكا الكم والنسبية، المعارف القديمة والمستقبلية، خبرة وصوت كل إنسان وكل كائن وكل جماد، المؤذن ودانتي والمسحراتي ودريدا والقطار والكلب ولاعب الدمى و"قائد الثورة الليبية" المستهدف من ثورة شعبه، وسكان الأراشيف المنسيون والمشردون خارج الذاكرة. هناك ما هو خطي، ذو اتجاه واحد إجباري، كما قد يبدو للوهلة الأولى فقط العد البسيط لأسماء الذرية والنسل—لكن كيف تحتمل اللغة المنطوقة التعبير عن شجرة؟ عن كوكبة نجوم تُجبرنا عاداتنا العقلية على أن نرى فيها معنى بدائيا أبديا، يقرّبها ويقرّبنا بواسطة صورة (لحيوان)؟ داخل متاهة السجن الجحيمية، تصنع المظفر سراديب نجاة سرية تسع الجميع بشفرة عصية على الفك، متحلية، وداعية للتحلي، بضبط النفس (محقق).

الأحجية التي فتحتها من جديد الثورة التونسية—وكل زحف لشعب إلى السعادة يتلاشى في علو صوت أحذية مسيرة جنود: التقدم/التأخر، الضلال/الهداية، «قبل الأوان/بعد فوات الأوان» (ستروب-أوييه)، الثورة وكسر الدائرة أم اكتمال دوران الأفلاك واعتدال/انقلاب الميزان (في تمحيص هانا آرنت لمعنى الثورة)، إلى آخر التفجيرات التي تحدثها الثورة/التأريخ الثوري في متصل الزمكان (Benjamin): تعجل على مهل أيها السائق! "خفف الوطء" ونحن نرحل بعيدا عن حيث نحب، وأسرع لكي نصل قبل (فوات) الأوان! وبينما يطاردنا القذافي المولع بالجغرافيا السياسية، على الكاميرا أن تجرَّد كسلاح من سلطتها وخداعها، وعلى الطفل الذي يعاد إلى الخارج حيث ينتمي (في لقطات أرشيفية) أن يذهب إلى حيث يشاء، ويرى ما يجب أن يراه، وعلى القطيع أن يتأنسن دون أن نضع قصصنا نحن على لسان الحيوان.

 

«عودة أوزيريس»: إلى مصر؟ إلى فلسطين؟

في أحلام نجيب محفوظ المتكررة في قصصه القصيرة بعد النكسة، هناك أيضا ثيمة اللاوصول التي تجدها جوديث بتلر عند كافكا، لكنها عند محفوظ كابوسية صرفة، لا شعرية ولا لاهوتية. يعود البطل فلا يهتدي إلى بيته قط، أو يهتدي إليه فينكره، يعود إلى ما لم يعد بيته كما يعرفه. يعود محفوظ، "المنتمي" كما أسماه غالي شكري، إلى بيته/وطنه ذات كابوس فلا يجده؛ كان الطيران الإسرائيلي قد مسح وجوده من على الأرض في ساعة زمن. أما عند كافكا، أحد اللامنتمين الأصلاء الكبار في أكبر عصور ترسيم حدود الدول الوطنية والإمبراطورية، فأفضل للوطن أن يظل هكذا، فكرة مراوغة بعيدة، مستحيلة كوصول الرسائل، بل أن يكون هو الحلم/الكابوس، اليوتوبيا التي يُخشى أن تصير إلى دستوبيا.

التكرار الكابوسي لخطاب هزيمة ١٩٦٧ في شريط فنان الڤيديو عيسى غريّب (٢٠١٩) استخدام لمّاح جديد لإمكانات أفلام الكولاج، لكن طابع الهلوسة والمتاهة والكوميديا المظلمة حاضر عموما في أفلام اللقطات المكتشفة/الصور الجاهزة مسبقا، كما في فيلم المظفر (حيث أغنية شادية لحبيبها الماشي تسعى في الخلفية هنا بحضور خاص). وكما تتبع رائد ياسين صورة مبارك في شريطه الكولاجي «الفيلم الجديد» (٢٠٠٨)، يستكمل غريّب ما بدأه في مشروع فني يجمع صور عبد الناصر، ويعيد وضعها على جدران (معرض)، ليحيي لحظة من سيرة طفولته وسيرة بيوت فلسطينيين حتى نهاية القرن العشرين، وضعت فيها صوره طويلا داخل جدران البيوت، إلى حد أنه ظن الرجل عمًّا له رحل. هذا الإظهار للوجه المرغوب في نسيانه، مع القص واللصق، ومحاولة جمع أشلاء الخطاب، مرورا على ما يظهر منه في الأفلام والمسلسلات المصرية، هو ما يناظر في الشكل استعارة السردية التي يسقط غريّب فيها الأسطورة المصرية القديمة المؤسِّسة على لحظة الدمار/التأسيس الجديدة، إذ يعود عبد الناصر/أوزيريس للحياة، بعد لم أشلائه الموزعة بعدد أقاليم البلاد، على حناجر الجماهير الخارجة لتنفخ فيه حياة الشرعية الشعبية.

المسيح قام. أوزيريس قام.

***

من وراء ظهر الواقع القائم وتحت أنفه، تتبادل أفلامنا الأربعة الغمز والتسريب والتهريب، وتعقد الصلات مع مواطنيها في خريطة السينما المعاصرة. «دروس خرايط» فيليب رزق (٢٠٢٠) أيضا مختبر قائم على الأرشيف، لإنتاج دليل جغرافي-سياسي لتاريخ الاستعمار والخلاص منه. فيلم لينا العبد الباحث عن أبيها («إبراهيم، إلى أجل غير مسمى»، ٢٠١٩) إعلان مدوٍّ عن إعادة تعريف واكتشاف فلسطينية للوطن ومعناه، تحررهما من شروط الانتماء السلطوية العقيمة. «طلامس» (علاء الدين سليم، ٢٠١٩) سينما لإنسانية جديدة ببشر مختلفين؛ ما بعد الوطنية، ما بعد الثورة السياسية، ما بعد الواقعية الطبقية، ما بعد الجنوسة، ما بعد البيولوجيا، ما بعد اللغة، … حيث يهرب سين وفاء من مصيدة أخرى جديدة كتلك المعدة لنا دائما، كما يهرب في فيلم سليمان الملاك مدهون الصدر العاري بعلم فلسطين، ومثل الهروب إلى جسد خروف في «عزيزي الحيوان» (مها مأمون، ٢٠١٧)، هذا الهروب السحري الذي يردد صدى بشاراته في قصة "سنضحك كثيرا" لزكريا تامر وقصيدة محمد علي طه "يوم صعود صابر وزينب إلى السطح".

رأسمالية المراقبة عند سليمان ليست منقطعة الصلة بمراقبة عايشة صغيرة للتأكد من صلاحية العروس، وإنما ترصدهما في شبكة القمع الواسعة نفسها هذه السينما. فلسطين ككاسة عرق لا يحتم أن تكون بديلا عن فلسطين بكل معانيها. ربما لا تمنع تحية الجار للجار مصحوبة بشتيمة منخفضة الصوت (كما في «عالم ليس لنا» و«يد إلهية» على مرور الزمن وابتعاد المسافة بين الداخل والمخيم) من أن يتشارك أحدهما مع الآخر مظلته في المطر. نحن الجماعة المجتمعية من يقرر إن كانت «باكورو» (٢٠١٩) موجودة وبخير وإن مسحتها قوى التكنولوجيا من على الخريطة وحاصرها القتلة المبدعون. وبينما تطل الساعات المليئة والفارغة والمتأخرة والمضبوطة عبر شاشات "جغرافيات شخصية"، نعرف مع عايشة أن "ما مضى مضى" و"الباقي سنعيشه… من الصعب الشرح".

 

مَحمد هُوجْلا-كَلْفَتْ مهني ثقافي مقيم بالقاهرة، مصر. ترجم بشكل موسع بين العربية والإنجليزية، وساهم في تأسيس وتحرير تِرْسُو، المجلة السينمائية الإلكترونية، وأعد وصمم وأدار نقاشات عروض أفلام، وساهم في إصدارات، ويعمل حاليا على كتابه الأول، «تغطية العري»، الحاصل على منحة كتابة من الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق).