الشخص والأرض سلسلة تقدمها نادين خليل في معرض421  تجمع بين أفرع من الممارسة الفنية من منظور الإبداع المشترك والتأليفية الموسيقية والمجتمع. وهنا، يتعاون الفنان هاشل اللمكي والفنانة منيرة الصايغ في تفاعل يرمز للبنية الثقافية الأساسية وطريقة عمل الفنانين والقيمين والكُتَّاب والمنتجين في معرض421 وما حوله 


أصل الحكاية

 

عند الأخذ بعين الاعتبار التركيبات التي ميزت الممارسة الفنية لدى هاشل اللمكي، تعاملت نادين خليل مع نوع من تجزئة العمل . فمن خلال تفكيك وفصل العناصر التي تشكل الكل، تطفو أصوات منفصلة إلى السطح، لتردد صدى رحلة الفنان عبر الأشياء، لتمكننا من الإحاطة عندئذ بالرؤية الكاملة لمعرض "لتأرجح: سياقات عبثية"

 

هناك ما يشبه الخدعة في منحوتات هاشل اللمكي، التي تنفرد بجودة يدوية تميزها. وسواءً أكانت طماطم  مجسمة أو كائنات بحجمها الطبيعي، فلن يمكنك تحديدها يقيناً. لها في الغالب وظائف غريبة؛ آلات تدليك، مراوح متحركة، وإضاءة جذابة، في تعامل حريص وتجميع ذكي. إنها "أشياء" من حياتنا اليومية، ومع ذلك فإن التعبير بهذه الاشياء  يضفي إحساساً ميثولوجياً، وكأن هاشل يقول لنا بأن في كل ما هو مهمش فإنك تجد شيئاً ساحراً .

 أعاد ابتكار خامات متواضعة مهملة، في عمل مشابه لما تقوم به جماعة بروس الفنية في نيويورك، والمفارقة قائمة. 

 

يقول عن نفسه، "كنت صبياً متمرداً نوعاً ما". ولكن عرضه لخامة المادة في بيئتها نابع من الفضول أكثر منه شيئاً مِنْ  التمرد. فنجد لوحات لبطاقات التدليك تلك التي نجدها منتشرة فوق السيارات في الشارع (مستخدماً عبارات مكتوبة بالفعل فوق بطاقات أماكن السبا هذه، مثل: "مع 4 خدمات، تحصل على خدمة مجاناً"، "أفارقة.. عرب.. هنود.. تايلانديون.. وصينيون"، "ويل كير"، و"نيو سفن ستار") في معرض تعليقه على الجوانبْ المختلفة لهذه الصناعة الخدمية. وتدور ممارسته بشكل كبير حول المفاهيم غير الثنائية الموضحة في معرض "التأرجح: سياقات عبثية" ، لأن هاشل يرى الفرد والمجتمع شركاء في الإبداع. وإدراكه لبصمته الخاصة يعني أنه يعيد توظيف الفائض. " هناك حدس بِشكلٍ خاص للمنحوتات يتمثل في إدراكي لما هو حولي في تلك اللحظة وكيف أستجيب له. إنها مرجعية لطريقة مريحة للوجود". 

 

وعلى الرغم من أن منحوتاته غير حركية في معظمها، إلا أنها تمنحك شعوراً بأنها تكاد تنهض وتمشي. لها شخصية. وتعتبر منيرة بأن ذلك يُمثل توهجاً. تقول، "يبدو الأمر كما لو أن أحد العناصر يسحب والآخر يدفع. وعلى عكس لوحاته التي تصل إلى نهايتها، فإن منحوتاته لا تنتهي. تعيش وتتغير. إنها حية وتخبره بما تحتاجه. ولن يتركها لحالها إلا عندما تشبع، تماماً مثل من تتطلق طفلاً ليواجه العالم".

 

سألت هاشل عما إذا كان يعرف ما سوف تؤول إليه منحوتاته، فقال إنه لا يتبع خطة بحذافيرها، بل أن الأمر أشبه بتدفق، وأنه يستخدم الأشياء الموجودة في متناول يديه كأدوات. على الرغم من أنه لا يستطيع تحديد طريقة ما للممارسة، إلا أنه حدد أسسها.

يقول هاشل  "وقت أن كنت في نيويورك، أدرس الفن في بارسونز (2007-2011)، صارت جميع الوسائط متاحة لي ولأول مرة. وبعد تخرجي، بقيت في المدينة لبضع سنوات أعمل في مجموعة من الوظائف الغريبة؛ مثل إنتاج الفيديو والتصوير الفوتوغرافي وحتى العمل مع شركة تقوم بتركيب أضواء أعياد الميلاد المجيد. واليوم، أنظر لتلك الفترة على أنها فترة ثرية اكتسبت مِنْ خلالها الدراية والخبرة والمهارات التي أحتاجَها لصنع هذه المنحوتات.. فعلى سبيل المثال، مررت بمرحلة كنت فيها مهووسًا بمصابيح الانارة  وصنعت منها سلسلة من أعمال الإضاءة الفنية". 

 

"الأمر يتعلق بالعثور على الروابط المستمرة التي تصنع حياتنا". مثل الفرشاة لتصفيف الشعر، والأضواء كمادة، وكابلات HDMI كخامة، وكرات الكريكيت لموازنة الأشياء واستخدام الفِشار لصنع أبراج. إنه يكون مرتاحاً في داخل متاجر بيع الأصناف الغريبة، أو وسط الأشياء المهملة. "أعيش الخيال كله في متاجر كل شيء بدولار"، هكذا يعلق مازحًا. ويمكننا أن نجد نموذجاً حياً لذلك في قسم "التحكم والذنب" "التأرجح: سياقات عبثية"، حيث ربما يكون أبسطها (من حيث التركيب) زجاجة ماء على فوهتها صنبور ذهبي.

 

وتعكس معظم الأعمال في هذا الجزء من معرض 421 فهماً للآليات المتبعة في إبداعها، وذلك باستخدام مجموعة من المسامير، فلاتر المياه، بالونات الماء، أكياس الكريات، الرموش الاصطناعية، الفراء الصناعي، المطارق، أوزان الأسماك، أقفال الدراجات، كرات التوتر العصبي، مشابك الشعر، دبابيس الأمان، سلاسل المفاتيح، أقراص السنفرة، وقطع الفحم. وهنا يكمن جمالها؛ تراكم الأشياء، سواءً كانت تمثل عناصر ملحقة أو أساسية، وهو جمال لا يمكن كشف عناصره بالكامل. الأمر ببساطة هو.. إن كنت تعلم، فأنت حقاً تعلم. 

 

123-second-copy-5f8f21587fa4a.jpg (original)

 

حليب وعسل* 

 456-copy-5f8f20a494abb.jpg (original)

 

"قناني العسل مزيج من أشياء من إسبانيا وأبو ظبي. طلبت من عائلتي مساعدتي في جمع القناني الخاصة  بالعسل من أنحاء المنطقة، ومن باكستان وعمان. وهي تشمل عناصر من سوق السلع المستعملة في برشلونة التي زرتها أنا ومنيرة، حيث شرعت في جمع أشياء عشوائية، وتطلب الأمر الاستعانة ببعض الأجهزة، واستخدمت الغراء في بناء الشكل النهائي" 

تقاليد بلا وجه 

 

789-5f8f220e36a42.jpg (original)

 

"أحيانًا ما أستخدم عناصر أو آلات تقليدية، مثل البِشت أو الطبول التي يستخدمها المسحراتي لإيقاظ الناس وقت السحور في رمضان. وأنا أعيش فوق كيه إم هايبرماركت، لذا ألجأ إليه كلما وجدت مشكلة في استحضار فكرة إبداعية. ومن هناك، جلبت مضخة الشفط (صنعت منها الرقبة) والأمشاط (العيون) والكابلات. يرتدي "الرجل الكبير" عقدًا من الولاعات وجسده من باقات الزهور التي أخذتها خلال حفل إفطار أقيم في معرض 421. قمت بسحقها وصبغتها. وهكذا عادت إلى نفس المكان هنا وقمت بتغطيتها بشبكة تجمعها معًا. أما الأرجل فهي عبارة عن مصابيح كهربائية ملفوفة معاً بشريط لاصق". 



بترتيب 

 

101112-5f8f228c6a523.jpg (original)

 

"أول برج صنعته كان يتكون من 8400 ملصق نجمة، وكانْ الأمر يتعلق بالتحقق مِنْ على فكرة الفاعلية وقبول الذات. وعرضته كجزء في المرحلة الأخيرة لمعرض "المجتمع والنقد الفني: منحة سلامة بنت حمدان للفنانين الناشئين وقت أن كنت أفكر في تلك النجمات التي كنا نحصل عليها عند أدائنا واجباتنا المدرسية.

 لقد وجدت هذه الملصقات خلال رحلتنا إلى نيويورك كجزء من البرنامج. كانت بجانب معروضة قرب الكاشير وأتذكر أنني اشتريت كل ما كان لديهم، ثم رتبتها حسب اللون". بعدها وضعت أكواماً من رقائق البوكر وعرق السوس والبطاريات والفستق والسجائر ولعب السيارات وأزرار جيش الخلاص المشهورة هناك. 




كينونات تشريحية 

 

131415-5f8f2abe6964e.jpg (original)



"ذات يوم، كنت أشتري أدوات فنية مع صديق في سوق التنين، وبينما كنا نغادر، رأيت متجرًا به أكوام من أحذية كروكس البلاستيكية الخفيفة، مقابل 80 درهمًا فقط، لذلك أخذت صندوقين منها إلى الاستوديو الخاص بي. ويتألف مجسم "يوغي" من تلك الكروكس ولكن "الوجه" عبارة عن مبخرة. لا منطق في هذه الكروكس دون أن تكون في القدمين، ولا منطق في المبخرة من دون قيامها بعملها. من هنا كانت فكرة إتمام كائن هجين، حيث قد لا يكون كل مكون منطقي وحده. قمت بلفها جميعًا بشريط لاصق إلى أن ظهر الشكل النهائي". 



اهدم لتبني  



161718-5f8f2b52b93e3.jpg (original)

 

"أعيش في حي في وسط مدينة أبو ظبي يشهد تغيراً مستمراً. تختفي مظاهر عمارة الثمانينيات التي شيدها مهندسون سودانيون ومصريون وتخضع المباني لدورة من الهدم وإعادة البناء. وعندما رأيت سقالة أمام عمارة يقومون بهدمها، استخدمتها للدخول الى المبنى مفتونًا بفكرة الوصول إلى المكان قبل هدمه. لاحظت كيف أن أصحاب الشقق كانوا يلونون مفاتيح الإضاءة ويرسمون عليها. جمعت صندوقاً منها، وكلها من نفس المبنى.

 أنا أتناول القضايا الاجتماعية والاقتصادية من خلال هذه الشجرة التي تنمو وتموت. جذعها مصنوع من تمديدات الكهرباء ولها أغصان حقيقية". 



لكل فعل رد فعل، يساويه في القوة ويعاكسه في الاتجاه 


all-4-5f8fcd69ec6dd.jpg (original)

 

"على هذه الزجاجة التي في فوهتها صنبور ماء كلمة "Girl". كانت واحدة من أعمالي المبكرة ومنعت من العرض في أحد المعارض. ولم نتمكن من إزالة الشريط اللاصق لذلك قررت إعادة صياغته في سياق آخر. أعدت تقديم النص من خلال رسم الصورة الأصلية على مجسم يشبه إبريق الشاي. ومن اللافت أن الملصقات الإنجليزية على المشروبات الروحية هي وحدها التي تم وضع علامة عليها في ذلك المعرض، وتركوا الملصقات الصينية أو اليابانية [الأقل وضوحًا] على الزجاجات العتيقة التي اشتريتها عبر موقع إي باي. 

دوري كفنان هو أن يكون لي صوت، ولكن إذا كان ذلك يفضي الى الإساءة لأي شخص آخر فإني أحاول تخفيف حدته حتى لا يفشل الأداء". 

وكما توضح منيرة، فإن الفكرة وراء مجسم الزجاجة تتمثل في الارتقاء بحوار ثنائيات الحلال والحرام، وما يفصل بينهما وما يجمعها، وما هو تحت السيطرة وما يجعلك تشعر بالذنب. "لم نعد ننظر إليها كزجاجات، بل صرنا ننظر إلى مصابيح. 

حاولنا إزالة الحساسية من سرديات الإفراط في الاستهلاك، لذلك أنتجنا سلسلة جديدة كاملة من الزجاجات الحلال، مثل زجاجات فيمتو أو ماء الورد المرسلة من منزل جدي. أما السؤال، فهو كيف تتجاوب باستمرار مع مثل هذه المواقف دون أن يؤثر ذلك في المقصد من وراء العمل". 

 

*جميع الاقتباسات هنا تعود لهاشلْ اللمكي