شمس™
مرتضى فالي

في تحدٍّ للتصور الذي أرساه الفكر التنويري، الذي رفع الشمس إلى مرتبة رمز للعقل والمعرفة المطلقة، يستحضر النصّ قراءة الفيلسوف السريالي جورج باتاي، الذي قدّم فهماً أكثر مادّية وتعقيداً لعلاقتنا بهذا الجرم السماوي. فبالنسبة لباتاي، الشمس "فاسدة"، دنيوية الطابع، تتجلّى قدرتها التدميرية في وهجها الأعمى عند منتصف النهار، حين يبلغ سطوعها حدّاً يعجز البصر عن التحديق فيها مباشرة ويحول دون إدراكها إدراكاً تامّاً. وفي كتابه "الحصة الملعونة: مقالة في الاقتصاد العام"، صاغ باتاي نظرية اقتصادية مغايرة للرأسمالية، تقوم لا على الندرة والتكديس والإنتاج والنموّ اللامحدود، بل على الفائض والإنفاق، مستلهماً نموذج الشمس ونورها السخيّ الذي يتجاوز قدرة الأرض على احتوائه. فحين تعجز المنظومة عن استيعاب هذا الفيض، يتحوّل إلى "حصة ملعونة " لا بد من إنفاقها ليستمر النظام في العمل. وقد اتخذ هذا الإنفاق عبر التاريخ أشكالاً متعددة: من القرابين الطقسية، إلى إنتاج الفنون واستهلاك الكماليات، إلى البحث عن المتعة، وصولاً إلى الحرب والكوارث الطبيعية. ويغدو هذا التأويل للشمس اليوم ذا صلة خاصة بواقعنا المعاصر، إذ يعكس شغف الإنسان بالاستهلاك والتكديس والتوسع، رغم الظلال القاتمة التي يخلّفها الدمار البيئي وراءه.
أُنتجت الأعمال المعروضة في شمس™ وعُرضت في أنحاء دولة الإمارات خلال العقد الماضي، وتستكشف مقاربات الفنانين المختلفة تجاه الشمس، وكيفية فهمها والتعبير عنها. وكحال معظم مظاهر الطبيعة في المنطقة، يبدو أنهم يرونها ككينونة وسيطة وسلعة تجارية، مرتبطة ومقيّدة بمنظومة من الأشكال الإنتاجية التي صاغتها متطلبات الحداثة والرأسمالية، فتصبح بمثابة أيقونة، وعلامة تجارية، وبيانات، وأثر مادّي. ومع ذلك، ومن خلال عبور الثنائيات الجمالية والدلالية التي لطالما ارتبطت بالشمس، من السامي واليومي، الأبدي والعابر، المجازي والمادّي، التمثيلي والتجريدي، فإن هذه الأعمال تعقّد تلك الأشكال ذاتها، كاشفة قدرة وهج الشمس المتّقد على تجاوز محاولات إخضاعه، ويدفعنا في النهاية إلى مواجهة جوهرها الفاسد المتألّق.
أيقونة
جاء عملا "حالة عاطفية" (2022) للفنانة شازيا سلام و"رسائل من الشمس" (2025) لمجموعة سا تهانان انطلاقاً من شخصية "مدهش"، الشخصية الشهيرة لمهرجان مفاجآت صيف دبي، مهرجان التسوّق السنوي الذي بدأ عام 1998 لاستقطاب السيّاح إلى المدينة خلال أشهر الصيف الحارّة. أُعيد تصميم "مدهش" مؤخراً ليبدو أكثر إنسانية، بعد أن كان يتميّز في نسخته الأولى بجسم أصفر متحرك على هيئة صندوق مفاجآت وبوجه شمس باسمة، تعلوه سبع بوارق تمثّل إمارات الدولة. أُنتج "حالة عاطفية" في الأصل ضمن بحث أوسع حول فن صناعة التعليق الصوتي في دبي، ويتكوّن من تسجيل صوتي وتمثيله البصري عبر خريطة حرارية للذبذبات الطيفية للصوت، كما لو أنّ هالة الشمس امتدّت بانسياب لتكوّن مشهداً بانورامياً. يبدأ العمل بتنبؤ جوّي لحرارة خانقة يقدَّم في صيغة إيجابية بوصفها "مشرقة"، ثم تتكشف السردية، إثر ظهور "مدهش" على جانب الطريق، كـتأمّل في ما يعنيه هذا التسويق الرأسماليّ لإله الشمس القديم، وما يجسّده من سعادة بالنسبة للمدينة وسكّانها. ومن خلال نص يستعين بمقتطفات من مقالات صحفية ومدوّنات ومنشورات مواقع التواصل الاجتماعي، نكتشف أنّ هذه الشخصية محبوبة ومكروهة في آنٍ واحد، إلى درجة أنّها ألهمت البعض لإنشاء مجموعة على فيسبوك بعنوان "الموت لمدهش"، يتخيّل أعضاؤها ويشاركون سيناريوهات تفصيلية ودموية لموته. تتلو النص آنا شوفيلد، الصوت المألوف لشركة طيران الإمارات، وتتصاعد نبرته العاطفية تدريجياً، حسب تعليمات الفنانة، حتى تتحوّل السعادة إلى هيستيريا ذات طابع تحرّري، ويغدو الابتسام الحار المفعم بالترحاب ابتسامة شيطانية. من خلال اللعب على المعاني المتعددة لكلمة "حالة" في العنوان، يقدّم العمل قراءة نقدية لأداء السعادة كاستراتيجية تسويقية، وكقيمة مدنية، وطموح وطني.
صمم شخصية "مدهش" الفنان والمعماري والرسّام الفلبيني الراحل رومولو "رومي" ميكلات، الذي عاش وعمل في دولة الإمارات لعقود طويلة. يستحضر عمل مجموعة سا تهانان. بعنوان "رسائل من الشمس" (2025) ذكرى ميكلات وإرثه الفنيّ عبر مشروع تعاوني يستند إلى شبكة متنامية من المبدعين الفلبينيين المقيمين في الدولة أو المنتمين إليها. يضمّ العمل عرضاً لسبع بطاقات بريدية يمكن اقتناؤها، تحمل صوراً ابتكرها عدد من هؤلاء الفنانين استجابة للسؤال: ما تعنيه مفاجآت صيف دبي بالنسبة لك؟، إلى جانب مقال بتكليف خاص يستقصي تاريخ "مدهش" ومبتكره. ومن خلال منظور أولئك الذين لا يستطيعون الهروب من الحرّ الخانق إلى أجواء أكثر لطفاً، تتنوّع الصور بين مشاهد ضبابية لأواسط الصيف في دبي القديمة والجديدة، وصور فوتوغرافية فورية توثّق لحظات عابرة من بهجة العطلات ومرحها، وبين صورة لفرح جماعيّ في مهرجان موسمي محبوب يحتفى به في وطن بعيد، وأخرى لصندوق باليكبايان (العائدون إلى الوطن) يستخدم لإرسال الهدايا إلى الأحبّة، مغلق بشريط لاصق تتدرّج ألوانه كما لو كانت غروباً استوائياً بعيداً، وبين نقد ساخر للنزعات الاستهلاكية السطحية المتفشّية على الإنترنت، وكولاج طفولي الطابع يستعيد فيه الفنانون شخصية "مدهش" ويعيدون إليها معاني البهجة والمرح التي يجسّدها، بوصفها جزءاً من التجربة الفلبينية في الإمارات. باستلهامهم من هذه الشخصية الرمزية التي صممها ميكلات، تنسج مجموعة سا تهانان. عبر هذا المشروع نسيجاً من الكلمات والصور يعيد الفاعلية والتأليف الفنيّ إلى أولئك الذين ما زال جهدهم يسهم في تشكيل المشهد البصريّ الإماراتي، رغم بقاء إسهاماتهم وهويّاتهم في الظلّ، غير مرئية أو معترف بها.
علامة تجارية
في مقاربات مفاهيمية تبدو بسيطة في ظاهرها وإنما عميقة في بنيتها الموضوعية، يجمع كل من لانتيان شي وشربل جوزف حاج بطرس بين الشعر والسياسة في محاولة لتفكيك العلاقة بين الشمس والهوية من خلال مفهوم العلامة أو الاسم. يتكوّن عمل "أشعة الشمس" (2018) لشي من طاولة قابلة للطيّ، تغطّيها بالكامل قناني مياه بلاستيكية مدعّمة بفيتامين (د) من علامة العين التجارية. يستحضر هذا العمل هيئة طاولة الضيافة التي قد نجدها في استقبال أو حفلة صاخبة، ليكشف ساخراً عن عبثية تسويق منتج غني بفيتامين (د) في بيئة صحراوية مشمسة حارة طوال العام، بل حتى خانقة أحياناً. حين عرض العمل لأول مرة قبل سبع سنوات، كانت القناني مصطفة بدقّة ضمن شبكة منتظمة، وأغطيتها ولصاقاتها البرتقالية، المصمّمة لاستحضار صورة الشمس، تصطف لتشكل أفقاً تجريدياً. لكن بعد توقف إنتاج هذه العبوات، وبفعل مرور الزمن ونقل العمل بين المعارض، تشوّهت الكثير من القناني الأصلية واختلّ انتظامها، فتحوّل العمل من نقد ساخر لبرودة التسويق الرأسمالي إلى تأمّل غير مقصود في تفاقم آثار التغيّر المناخي.
أما بطرس، ففي عمله "عيد ميلاد" (2016)، وهو جزء من سلسلته "أعمال الشمس"، فقد استخدم قالباً مخصصاً وأشعة الشمس في دبي بيوم ميلاده لطباعة اسمه على ورقة بيضاء من صحيفة. اصفرّت الحروف المكشوفة بفعل الأشعة فوق البنفسجية، وتدلّت الورقة ببساطة فوق قضيب معدني كعلم أو راية، معلّقة فوق مستوى النظر بقليل، تجبرنا على رفع رؤوسنا والتحديق، كما لو كنّا نواجه شمس الظهيرة، في محاولة لقراءة الاسم الذي يلوح على سطحها كأثر طيفيّ خافت. وفي الوقت الذي يعقّد فيه العمل فكرة التأليف الفنيّ وسلطته، يمثّل أيضاً محاولة لـنحت اللاملموس، إذ يسجّل أثراً مادّياً لمادة عصيّة على الإمساك كضوء الشمس، مما يعرقل، ولو بصرياً على الأقل، مرور الزمن الحتميّ. ومع تلاشي وضوح الحروف تدريجياً واسوداد الورق المحيط بها، يغدو العمل في جوهره إيماءة زائلة، وتأمّلاً في الفناء ومحو الذات، كما يرمز إليه اسم الفنان نفسه، أزمة وجودية وبيئية في آنٍ، وبطابعين فردي وعالمي معاً.
بيانات
في تصفّح سريع لاستوديو الصور في هواتفنا الذكية، لا بدّ أن نعثر على صورة واحدة على الأقل، أو أكثر، لغروب الشمس، ذلك المشهد الذي يجمع بين الرومانسية المألوفة والسمو الجمالي الذي لا يمكن تجاهله. خلال أداء عمله "عملي النظر إلى الغروب" (2023)، يوثّق الفنان خالد جعفر يومياً صورة لغروب الشمس أو ما يرتبط به، مستخدماً هاتفه المحمول، محوّلاً هذا الفعل الاعتيادي إلى طقس يوميّ وشكل من أشكال العمل. تنقل كلّ صورة مباشرة إلى قاعة العرض حيث تُطبع على ورقة بحجم (A4) وتُعلَّق على الجدار، لتشكّل شبكة متنامية أشبه بتقويم بصريّ، ويوميات مرئية تسجّل لحظات متكرّرة من ظاهرة طبيعية، وقد حُوِّلت إلى بيانات رقمية. أنجز هذا المشروع للمرة الأولى في دبي، خلال الفترة الفاصلة بين عمله بدوام كامل والتحاقه بالكلية الفنية، فكان هذا الطقس اليومي بمثابة عمل بديل، إذ يتيح الوقت البعيد عن عجلة الإنتاج الرأسمالية مقاربة جديدة، ويعيد توجيهه نحو التأمل وممارسة الفنّ. توجد النسخة الحالية من المشروع في لندن، حيث يقيم الفنان اليوم. وإذا كان مشهد الغروب يسهل التقاطه على السواحل الإماراتية، فإنه في العاصمة البريطانية، الملبَّدة بالغيوم والبعيدة عن البحر، يبدو متوارياً وعصيّاً على الرصد، في انعكاس لإحساس الفنان بالحنين، مما يضفي على العمل طبقة إضافية من الشوق والأسى.
وعلى نحو مماثل، يحوّل الفنان نيما نابوي تجربة الغروب إلى نوع من الشيفرة الرقمية، إذ يكثف تدرج ألوان الغروب في تجريد هندسي دقيق. ففي عمله "الشيفرة المصدرية" (2024)، الذي يشير إلى طاقة الشمس بوصفها أصل الحياة، رسم نابوي التصميم يدوياً على الحاسوب، ثم نفذّه على القماش باستخدام آلة رسم بالقلم تستعمل عادة لطباعة المخططات المعمارية. يتألف العمل من طبقات متراكبة لنمط بسيط، يتمثل في دائرة مقسّمة إلى خمس شرائط أفقية متساوية الارتفاع، صفراء، برتقالية، حمراء، وردية، وأرجوانية من الأعلى إلى الأسفل، تتكوّن كلّ منها من صفوف متوازية من النقاط المنفصلة. ولتقريب الشكل الكرويّ للشمس على سطح ثنائي الأبعاد، أدار نابوي هذا النمط ستّ مرات بزيادات قدرها سبع درجات ونصف في الاتجاهين معاً، مستخدماً أقلاماً متبقية من مشاريعه السابقة حتى نفاد حبرها، ليمنح العمل في نهايته ملمساً غير متجانس، ويعيد إلى الشكل المرمّز المجرّد عفوية الطبيعة وتعقيدها ودهشتها.
أثر
تتّخذ أعمال رجاء خالد وبراتشايا بينثونغ شكل تجريدات ضخمة تشبه الشواهد الحجرية، تستند كل منها إلى جدار مقابل للآخر في توازن يوحي بالتماثل والاختلاف معاً، إذ تتقابل في الحجم وتختلف في اللون والمادة. يتمثل عمل خالد "ذروة الظهيرة" (2016) في لوحين من الفولاذ المطليّ بطلاء لامع ثنائيّ اللون، وهو طلاء شائع بين هواة السيارات المعدّلة. تتوهج اللوحتان كحمم منصهرة، فتعززان إحساس القيظ الإماراتي اللاهب في مجال لوني مشعّ. يحوّل هذا الطلاء المعدني السطوح التجريدية إلى أجسام مضيئة تتبدد عليها أطياف اللون والضوء وما يوحي بهما من حرارة الشمس القصوى في الفضاء المحيط. ومن خلال هذا الاختيار الذكي للطلاء، الذي يربط اللون الأحادي المجرّد بسياق أوسع يتمثل في عالم السيارات، تستدعي الفنانة ظلال عوادم السيارات وانبعاثات الكربون، وما تؤول إليه بالضرورة من استحضارٍ لصناعة النفط. تشير بعض الدراسات إلى أن تزايد التلوث الجوي ينتج غروباً أكثر بريقاً وسطوعاً، لتحيل رجاء عبر تماهي اللون والمناخ وثقافة السيارات إلى الطريقة التي تصوغ بها الأخيرة كلاً من الطقس وإدراكنا له، بصرياً وحسّياً على حد سواء.
وفيما تذكّرنا رجاء، على نحو غير مباشر، بالمخاطر التي يخلّفها استمرار اعتمادنا على الوقود الأحفوري، يتناول عمل بينثونغ "نحيا بفضل القوى التي ندّعي فهمها" (2024) قيمة إحدى التقنيات المحورية في التحوّل نحو مصادر الطاقة المتجددة والمستدامة، وهي الألواح الشمسية التي جاء تبنّيها في هذه المنطقة، رغم وفرة ضوء الشمس، متأخراً نسبياً. أعاد الفنان بدقة رسم النمط الشبكي المميز لهذه الألواح باستخدام طلاء الأكريليك على ألواح من الغرانيت الرمادي المصقول، مقدماً نسخاً مدهشة تخدع البصر وتربك الإحساس بالزمن، ومحولاً هذه التكنولوجيا المستقبلية إلى أثر ماديّ من زمن غابر. تبدو هذه الشواهد البسيطة المتقشّفة كأنها تنعي نفسها مسبقاً، أو ترثي المستقبل الذي تعد به، كمرايا سوداء تستدرجنا إلى التساؤل عمّا إذا كان الانتشار الواسع للطاقة الشمسية وغيرها من التقنيات النظيفة يشكّل فعلاً حلاً واقعياً لأزمة المناخ المتفاقمة.
*****
تكشف الأعمال التي يجمعها الفصل "شمس™" عمّا بلغته الممارسة والخطاب الفنيّان في دولة الإمارات من نضج وتعقيد متزايدين خلال العقد الأخير. فبين الجمال السرمديّ للشمس والنقد المتنامي لهيمنة الرأسمالية والاستهلاكية والتغيّر المناخي، تتخذ هذه المقاربات المفاهيمية والمادية موقفاً نقدياً هادئاً وإنما حادّ البصيرة، يرسم بعضاً من سبل استمرار الدواعي المنطقية وراء الاستخراج والاستهلاك التي أرستها حقبة النفط، على الرغم من التحوّل المتزايد، في الخطاب والتقنية، نحو الطاقة المتجدّدة والمستقبل المستدام، كاشفة التناقضات الكامنة في السرديات السائدة للحداثة والتقدّم.