الطريق نحو المنتصف

يقصد بتأثير التموج تلك السلسلة المستمرة من النتائج التي يولّدها حدث أو فعل معيّن. وعند النظر إليه بصرياً، نلحظ دائماً وجود نقطة مركزية تُحدث هذا الأثر، فهي المحور والمنطلق والفاعل الأول. ووفقاً لهذا النمط البصري الكامن في التموج، ترسم خريطة تشير إلى المركز، وإلى كل ما يتفرّع عنه ويمتد خارجه، فيعبر في النهاية هذا النمط عن ارتداد متواصل بطبيعته، آخذ في الاتساع، وملموس بأثره. وانطلاقاً من هذا المفهوم، يتتبع فصل "الطريق نحو المنتصف" سلاسل مترابطة من التفاعلات وأسبابها خلال الأعوام العشرة الماضية، مسلطاً الضوء على الأشخاص والأماكن والمنشورات التي شكّلت بؤراً أساسية أتاحت للإبداع الازدهار، وعلى الامتدادات التي انبثقت عنها من ممارسات شابّة ورؤى جديدة، استُلهمت جميعها من الصدى الأول لتلك الشرارة التي أطلقت التموج في بدايته. يقترح عنوان الفصل حركة تخترق الطبقات، دافعة إلى الأمام وفي العمق نحو فضاء يحتضن هذه المراكز التي تُعَدّ من أبرز القوى التي أسهمت في تشكيل فهمي الشخصي للمشهد الإبداعي، بما أتاح لممارستي أن تكون واحدة من بين ممارسات عديدة تابعت هذا الأثر، في حين يبرز هذا الفصل محطات محورية في المشهد الفني في دولة الإمارات خلال تلك السنوات، من منظور شخصي يتأرجح بين دور المراقب الفاعل والمشارك في الحقل الإبداعي.

 

تتّسم طبيعة التموج بهشاشتها وتشابكها وحساسيتها تجاه الزمن، فهي انقطاع مفاجئ عن السكون يستمر أثره في الامتداد. تتكوّن حول هذه الحركة شرنقة من نوع ما، بينما تنتشر النواة نحو الخارج ليتجسّد نموّ مجتمع إبداعي آخذ في التشكّل، مساحة آمنة يتردّد في صداها النمو، والتكامل، والاستمرارية. يجسّد فصل "الطريق نحو المنتصف" حقيقة حياتية، اتّسمت بالثبات، وإن بدت صغيرة أحياناً، لكنها مقصودة، متناقضة مع العناوين المعتادة التي تركّز على المقاربات السريعة والكبيرة للثقافة والإبداع التي هيمنت على السرديات النمطية أو السائدة، المنتشرة محلّياً ودولياً، حول دولة الإمارات. يسلّط الفصل الضوء على هذه الحساسيّات من خلال ثلاثة عناصر أو محاور رئيسة هي الأماكن، والأشخاص، والمنشورات. فمحور الأماكن، يسلّط الضوء على السنوات الأولى لآرت دبي، لا سيما برنامج الإقامات الفنية بالتعاون مع مؤسسة دلفينا، إلى جانب بيت 15، وأثر المعارض الدورية مثل تعابير إماراتية التي نظّتمها دائرة الثقافة والسياحة.

 

كما يقدّم ممارسات فنية لكلٍّ من محمد أحمد إبراهيم والفنان الراحل طارق الغصين، وهما من أبرز الفاعلين الإبداعيين الذين تركوا أثراً بارزاً خلال العقد الماضي. أما المحور الثالث والأخير من المعرض فهو مساحة مخصصة للمنشورات المستقلة مثل وتد، وذا ستيت، وإي 11، مسلطاً الضوء على دور البحث والكتابة كنقاط مرجعية أساسية في المشهد الثقافي. و تتشابك، على امتداد المعرض، روح المبادرات القاعدية والممارسات التي ميّزت العقد الأخير بثبات.

على الرغم من أنه ليس فضاءً دائماً، إلا أننا حين نستحضر العقد الماضي نرى تجليات آرت دبي بكل غزارتها. فالمعرض التجاري بالنسبة للبعض كان في الوقت ذاته مساحة التقاءٍ، إذ شكّلت كل دورة من دوارته التي تقام في الربيع لحظة يجتمع فيها المبدعون من داخل الدولة وخارجها. تُوِّج المعرض، كل عام، بمشاريع تعاون جديدة، ونقاشات، وحوارات صاغتها ثيماته وأطره. فبرنامج الإقامة الفنية في دبي، وهو مشروع مشترك بين هيئة دبي للثقافة والفنون وآرت دبي وتشكيل، جمع بين فنانين وقيّمين إماراتيين ودوليين. استند البرنامج إلى تبادل الخبرات والموارد بين المؤسسات الفنية في دولة الإمارات والمملكة المتحدة لدعم التبادل الثقافي الدولي من خلال البحث الفني والإنتاج والإقامات، كما أسهم في تعزيز الحوار والانفتاح العالمي داخل دولة الإمارات عبر الاستوديوهات المفتوحة، والأنشطة التعليمية، والتكليفات الفنية الجديدة ضمن مشاريع آرت دبي.

 

كانت أولى تجاربي التقييمية في عام 2015 حين عملت قيّماً مساعداً في برنامج الإقامة الفنية. وكان مقرّ الإقامة آنذاك في بيت تراثي تقليدي في دبي القديمة، في الحيّ الذي كان يعرف باسم البستكية، ويعرف اليوم باسم الفهيدي. من بين الفنانين المشاركين كان محمد أحمد إبراهيم، الذي شغل الاستوديو على السطح، وهو غرفة صغيرة داخلية بالقرب من السلالم مباشرة، مع مساحة خارجية رحبة. قدّم إبراهيم سرداً لتاريخ حركة الفن المفاهيمي التي قادها الراحل حسن شريف، عبر حكايات عن ممارسته ونموّها، ومشاركاً قصصاً تجسّد أثر التموج الذي عاشه من خلال شريف ومجتمعه الفني الأوسع. وفي المقابل، كنتُ أختبر تموجاً جديداً أطلقه هو نفسه عبر تلك الحكايات. روى عن ملتقى "قلعة الرمال" غير الرسمي الذي استقطب كتّاباً وفنانين بصريين ومفكرين وغيرهم ضمن مساحة مفتوحة للنقاش وتبادل الأفكار، في أمسية من التبادل أثرت كل الممارسات التي كانت تنبض بالحياة طوال الليل. روى قصصاً كثيرة، فانصبّ إعجابي على أهمية الرابطة التي جمعت هؤلاء المبدعين، وكيف تحوّل انسياب الأفكار بينهم إلى إثراء متبادل للإنتاج الفني، وما أفضى إليه من ولادة أسلوب جديد أصبح خلال العقد الماضي مرجعاً أساسياً في صياغة التاريخ الحيّ للفن المعاصر. وطوال هذه المدة كان يؤكد على أهمية تحفيز الحوار بين الإنسان ومحيطه وذاته، وكانت هناك روح من الألفة بدت أساسيّة، تقوم على قاعدة من النقاش. خلال فترة الإقامة عام 2015، طوّر إبراهيم أعمالاً تدور حول مفهوم التبادل. ويُعرض في معرض “في السنا والموج وما بقى” عملٌ أسبق من السلسلة نفسها بعنوان “صخور جبلية ملفوفة بسلك نحاسي” (2007)، بوصفه تمهيداً لعمله اللاحق “عذب وملح” الذي أنجزه خلال تلك الفترة. وفي “عذب وملح” جمع إبراهيم حجارة سوداء اشتراها من السوق المجاور مصدرها مياه عذبة، إلى جانب حجارة مرجانية من مسقط رأسه خورفكان، ربطها بأسلاك نحاسية. كنت أراقبه بصمت في البداية، حتى تراكمت أمامي مجموعة كبيرة من تلك الحجارة المربوطة. سألته حينها عن سبب اختياره للنحاس دون غيره من المواد التي يمكن سحبها على شكل خيوط، فأجاب بأن النحاس مُحفِّز، وأنه بالرغم من الاختلافات المرئية والجزيئية بين هذه الصخور، فإن جمعها بهذا الشكل يولّد حواراً يتجاوز الحدود بين التصنيفات، ويكشف إمكانات جديدة تنبثق من طبيعة التهجين نفسها. بوصفه أحد الروّاد الأوائل، أسهم إبراهيم في تشكيل أجيال متعاقبة من الفنانين، وبفضل هذا النهج المجتمعي في بداياته، أصبح آرت دبي مساحة ترسّخ العمق داخل المجتمع الإبداعي، من ربيع إلى آخر.

 

إنّ الاستمرارية عبر المعارض البصرية السنوية تخلق تواصلاً فكرياً وممارساتياً، إذ تتيح المعارض السنوية أو المتكرّرة رسم خريطة دقيقة للتحوّلات الطفيفة التي تطرأ من عام إلى آخر ضمن الممارسات الإبداعية المتجذّرة في زمان ومكان محدّدين. وتتحول مثل هذه المعارض إلى مساحات تثري المشهد الثقافي، وتغدو بدورها منصّات تحتضن سرديات وأفكاراً تعكس بيئاتها ومناخاتها المحيطة. في عام 2009، انطلقت سلسلة معارض "تعابير إماراتية"، وهي معارض دورية بتكليف من دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي (التي كانت تعرف آنذاك "بـهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة")، بإشراف كل من ستيفن شور وجي آر وطارق الغصين. بدأ المعرض كمجموعة تصوير فوتوغرافي لفنانين إماراتيين تدور أعمالهم حول ثيمة محدّدة، ثم تطوّر المعرض ليصبح منصة تشمل مختلف الممارسات الفنية استجابة لتصوّر تقيّيمي متجدّد. وفي دورته الرابعة، بعنوان "تعابير إماراتية 4: ملتقى الفنون"، تناول المعرض موضوع النوادي الاجتماعية والثقافية في أبوظبي بوصفها فضاءات محورية للتجمّع والتبادل والتواصل منذ قيام دولة الإمارات العربية المتحدة وامتدادها عبر فئات سكانية متعدّدة. ضمّ المعرض أعمال خمسةَ عشرَ فناناً بحثوا في النوادي المنتشرة في أحياء العاصمة، مثل المجمّع الثقافي (الذي كان مغلقاً آنذاك) ، والمركز الاجتماعي الهندي، ونادي الضباط، والكثير غيرها. شكّلت هذه النوادي الاجتماعية مساحات آمنة للقاء الناس وتعزيز الروابط الاجتماعية، كما أتاحت تفاعلات ثقافية متبادلة بين فئات المجتمع المختلفة. انتشرت هذه الأندية في أحياء متعدّدة من أبوظبي، وأصبحت مراكزَ محوريّة لمن يتنقّلون ويتفاعلون داخل هذه المساحات وفي محيطها، وقد كشف المعرض عن حيوية النسيجين الاجتماعي والثقافي، مقدّماً مثالاً آخر على التموجات التي تنشأ داخل تلك البيئات. امتدّ صدى هذه التموجات في استجابات الفنانين المشاركين، إذ أعاد كل منهم مقاربة تلك الأمكنة من منظورهم المتفرد والخاص. وبصفتها إحدى المشاركات المكلّفات، التقطت لمياء قرقاش بعدستها صوراً لتلك الملتقيات في لحظاتها الخالية، فوثّقت الصور الملتقطة فراغاً نادراً لأمكنة اعتادت أن تعجّ بالناس. قدّمت هذه السلسلة مشاهد من السكون داخل مساحات نابضة بالحياة، لتعيد سلسلة قرقاش، في إطار مفهوم "المكان"، إحياء أثر الفضاءات الاجتماعية ومداها، مؤكدة في الوقت ذاته على الدور الجوهري للمعارض الدورية في رسم ملامح المشهد الثقافي المعاصر.

 

في عام 2017، انطلق بيت 15، وهو فيلا سكنية تحوّلت إلى مساحة فنية في أحد الأحياء الهادئة بأبوظبي، أسّسها الفنانون هاشل اللمكي وعفراء الظاهري وميثاء عبد الله. كان المنزل في السابق مقرّ إقامة الرسام والنحّات والشاعر محمد المزروعي، وقد شهدت جدرانه منذ ذلك الحين العديد من الحوارات. ومع انطلاقه، تحوّل بيت 15 من فضاء خاص إلى عام، ومن منزل لشخص واحد إلى منزل للجميع. وبصفته مساحة إبداعية في جوهرها، غدا سريعاً محطّة مجتمعية أساسيّة لكلّ المبدعين والمحيطين بهم. وبما أنّه المقر الدائم لاستوديوهات الفنانين المؤسسين الثلاثة، فقد خُصّصت باقي أرجاء المنزل لتكون مساحة مفتوحة للمجتمع الإبداعي الناشئ، وأصبح بيت 15 شرارة أطلقت سلسلة من التموجات الإبداعية، إذ نشأ ضمن سلسلة تفاعلات أطلقتها منحة الشيخة سلامة بنت حمدان للفنانين الناشئين. وانضمت لاحقاً إلى المجموعة الفنانة زهور الصايغ عام 2020، وكانت هي الأخرى من خريجات البرنامج ذاته. أسهم هذا البرنامج في إرساء فضاءات للقاء والإنتاج والتبادل والعمل الجماعي، وحتى مع اختتام دوراته، حرص الفنانون على مواصلة تكوين بيئة مماثلة تحتضن المجتمع الإبداعي. ومن خلال هذه المبادرة، أضفى بيت 15 نبضاً جديداً وحيوياً على المشهد الفني في دولة الإمارات.

 

في عام 2019، أطلق آرت دبي قسماً جديداً بعنوان "الآن" ليقدّم للجمهور سردية أكثر عمقاً وتنوّعاً حول المشهد الإبداعي في دولة الإمارات، من خلال تسليط الضوء على المبادرات المجتمعية المستقلة والمساحات الإبداعية والمجموعات الإبداعية التي لم تنشأ بمبادرات حكومية أو تجارية. استهدف هذا القسم الجديد طرح رؤية موازنة للسردية السائدة عن المشهد الفني، التي تصوّره بوصفه ظاهرة مستوردة أو موسمية. في دورته الأولى بعنوان "الإمارات الآن"، والتي تولّيتُ تأسيسها وتقييمها، سعى المشروع إلى إحياء هذه المساحات المشتركة وإبراز أهمية الأصوات الناشئة. سلّط المعرض الضوء على عمق تلك المنظمات ودورها في المشهد الفني المتنامي، مبرزاً إسهام المنصّات المجتمعية المستقلّة والمشهد الفني المستقل في ابتكار طرق جديدة للتفكير، سواء على مستوى النظرية أو كممارسات فنية. وشملت المنصّات المشاركة كلاً من بيت 15، وبنات كولكتف، وجفّت الأقلام، ومجموعة الفن العام (باك)، ودفتر أصفر. دُعيت كلّ منصة إلى تفعيل مساحتها المخصّصة بطريقة شاملة وتفاعلية، تتيح فرصاً للتبادل والإثراء بين المشاركين وجمهور آرت دبي. ورغم أن لكل من هذه المنصّات المستقلة جناحاً مخصّصاً لها، إلا أنها تشاركت مساحة مركزية للبرامج شجّعت على الحوار النشط، واستضافت جلسات حوارية وورش عمل وعروضاً أدائية حفّزت التفاعل المباشر. وقد شكّل الفضاء المركزي الذي أعدّه بيت 15 المنصّة الرئيسة لهذه البرامج، تحيط به أجنحة المشاركين الآخرين. وقد دفع هذا الدور مؤسّسي بيت 15 إلى التأمّل في معنى إنشاء مساحة آمنة وحاضنة، وكيف يمكن ترجمة هذا المعنى، فقرروا إنشاء عمل تركيبي حميمي وجذّاب على شكل سرير مزدوج بقاعدة بيضاء وفراش مكشوف على أرضية مفروشة بالسجاد، وعلى الجدار المقابل علّقت لافتة نيون كتب عليها "بيت 15" بإضاءة خضراء مميزة. تحوّل هذا السرير إلى نواة للتموّجات التي أخذت تتشكّل داخل ذلك القسم من معرض آرت دبي، إذ استضاف جلسات حوارية منظّمة وعفوية، جامعاً حوله كلّ من كان في محيطه ضمن هذا الفضاء المفتوح. ويعيد معرض "الطريق نحو المنتصف" في 421 تجسيد سرير بيت 15 نفسه وإضاءة النيون ذاتها، بوصفهما رمزاً للمسافة الوسطى الحميمة والبسيطة التي شكّلت جوهر الفكرة.

 

يمثّل الضلع الثاني من المثلث "الأشخاص"، إذ يرسّخ حضورهم ويبرزهم بوصفهم عناصر محورية تحدث تحوّلاً في أيّ منظومة. فالأشخاص يمكن أن يتحوّلوا إلى أماكن أيضاً، بمعنى أنهم يوفّرون أرضاً خصبة لنمو الآخرين من حولهم. إنّ الثقل الفكري والإبداعي لبعض الأفراد يصبح بالغ الأهمية حين يعلّمون أجيالاً ويؤثّرون فيها، ويتعلّمون منها في المقابل. في هذا السياق، يمكن لشخص واحد أن يكون محفّزاً للتطور والامتداد، ومصدراً وحيداً أو منفرداً في إحداث أثر تموّجي واسع. وكما أشرت سابقاً، هناك من كانوا منارات مضيئة لدروب الكثيرين، مثل الراحل حسن شريف الذي أنار دروب مجتمعه، ومحمد أحمد إبراهيم الذي يمثّل مصدر إلهام للأجيال الراهنة. وإلى جانبهما، يبرز الراحل طارق الغصين، معلماً وصديقاً لكثيرين، وقد أطلق بدوره تموّجاً استمر أثره في الاتساع حتى بعد رحيله، بفضل ثراء معرفته وكرمه وعنايته. تشغل حياة الغصين موقعاً محورياً في معرض "الطريق نحو المنتصف"، إذ تمثّل، في وجوه عديدة، ذلك المنتصف ذاته، الفضاء المحوري الذي أعود إليه في ممارستي، والدافع الأساسي وراء هذا القسم من المعرض.

 

يمثّل العمل المحوري المعروض جزءاً من سلسلته الأخيرة "أوديسيوس"، وهي آخر سلسلة أنجزها، وآخر ما عرضه قبل رحيله. عرض هذا المشروع في عام 2018 في مجمّع 421 للفنون، الذي كان يعرف آنذاك باسم مستودع 421، وحمل المعرض عنوان السلسلة نفسها، ليقدّم للجمهور أحدث مشاريعه الفوتوغرافية التي سعى من خلالها إلى رسم خريطة فوتوغرافية لأكثر من مئتي جزيرة من جزر أبوظبي. هدفت هذه الأعمال إلى إحياء فهم اجتماعي لهذه الجزر، وإلى استكشاف العلاقة بين الجسد والمكان. عُلّقت الصور ببساطة بين الجدران ذاتها التي تعرض عليها اليوم، ليشكّل هذا العرض في 421 لحظة اكتمال دائرية تستعيد أثر الغصين. وإذ يعاد عرض هذه السلسلة الفوتوغرافية اليوم إلى جانب أعمال لجيل جديد من الفنانين الذين درسوا ممارساته عن قرب، فيتجلّى تأثيره التموّجي بوضوح. ويشارك في هذا القسم من المعرض أديل بيا تسيبسته، ولمياء قرقاش، وأوغسته نوميكايته، وخالد اسجيرا، وهم نماذج تعبّر عن امتداد أثره، وإن لم تكن هذه القائمة شاملة لجميع الفنانين الذين طالهم أثر الغصين. تقدّم الفنانة أديل بيا تسيبسته، وهي فنانة متعددة التخصّصات، سلسلة بعنوان " تمارين على اللارؤية"، تسعى من خلالها إلى إدخال المتلقي في حالة تستحضر التجارب الحسية في البيئات الطبيعية. خلال سنوات دراستها الجامعية الأولى في جامعة نيويورك أبوظبي كانت تلميذة الغصين، وسرعان ما أصبحت رؤاه جزءاً تأسيسياً من ممارستها الفنية. وبالاستلهام من سلسلة أعماله الأخيرة حول البحر، تواصل تسيبسته بحثها في موضوعي الجسد والمكان. أما لمياء قرقاش، التي كانت بدورها إحدى طالباته في الجامعة الأميركية في الشارقة، فقد تأثّرت بمقاربته المفاهيمية، على الرغم من أن ممارسة قرقاش ذُكرت في البداية تحت مظلة المعرض بوصفه مكاناً، إلا أن ممارستها تمتدّ أيضاً إلى هذا النسيج من العلاقات المتداخلة، ولا شك أن الغصين شكّل تفكيرها المفاهيمي، وأشار عملها إلى عناصر متنوعة من ممارساته. كما تلقت أوغسته نوميكايته أيضاً تعليمها على يد الغصين وتأثرت به، وتعرض نوميكايتي سلسلة بعنوان "بحث وقطاف: من الحقل"، وهي سلسلة فوتوغرافية أُنجزت في الأصل بتكليف ضمن البحث التحضيري لكتاب "بحث وقطاف: المعرفة الغذائية والتصور البيئي في الطبيعة الجغرافية الإماراتية"، وهو كتاب من 200 صفحة ومعرض جماعي واسع يحمل العنوان نفسه، عُرض لأول مرة في جناح دولة الإمارات في إكسبو 2020 (2021)، ثم لاحقاً في مجمع 421 (2022). ترصد السلسلة البيئات الزراعية في أنحاء الدولة، فترسم خريطة للأماكن والبنى الاجتماعية التي تتطور منها. إلى جانب هذه السلسلة، يُعرض عمل أحدث للفنانة بعنوان "مسائل ضارية (حي ميزا)"، يستند إلى بحثها الذي يتناول استعادة الطبيعة لمكانتها ضمن بيئة حضرية في الأساس. يضم المعرض أيضاً عمل خالد اسجيرا، الفنان الوحيد في المجموعة الذي لم يتلقَّ تعليمه رسمياً على يد الغصين، لكنه مع ذلك يستذكر ممارسته. تربط ممارسة اسجيرا بين سياسات المكان، مع التركيز على فهم المساحات الخاصة وتطورها. يشير العمل إلى سلسلة الغصين "الصوابر"، وهي توثيق فوتوغرافي لتطور مجمع سكني حكومي. أما السلسلة المعروضة بعنوان "1501، 308 شارع الحصن"، فتوثّق جسد الفنان متجذراً في الشقة الفارغة التي سكنها هو وعائلته ذات يوم.

 

أخيراً، يتضمن المعرض مجموعة مختارة من المنشورات المحورية في هذه الحركة وامتدادها. ففي فعل البحث والكتابة، تبقى الممارسات حيّة وفي متناول الأجيال القادمة. فيغدو المنشور مكاناً للفهم، والإجابة عن التساؤلات، ومكاناً لإشعال الفضول. ويتخلل المعرض نصوصاً منشورة بشكل مستقل من بينها "إي 11"، و"ذا ستايت"، و"براون بوك"، و"وتد"، تبرز دور الكُتّاب والمفكرين في المنظومة الفنية إلى جانب نظرائهم البصريين. علاوة على ذلك، تساعد منشورات مثل "حسن شريف: أعمال [1973-2011]"، و"فنان العمل الواحد"، و"بين الشروق والغروب"، و"لكن لا يمكننا رؤيتهم، 1980 - لتاريخه"، وطارق الغصين "في حضرة الغياب"، على فهم ممارسات محورية بشكل أعمق، جرت مناقشتها أعلاه في هذا المقال، بوصفهما فاعلين أساسيين في النمو والتوسع والإبداع. يدعو هذا القسم من المعرض الزوار إلى الانغماس في المجموعة المعروضة من المنشورات في لحظة تثير الفضول. 

يعد "الطريق نحو المنتصف" فصلاً يستكشف العمق الكامن في تشابكات العلاقات الإنسانية، ويصوّر التداخلات بين الناس والأماكن والمنشورات، وكيف يمكن فهمها بشكل متبادل في بعض الأحيان. يقود السلوك الماديّ لتأثير التموّج الحوار عبر الفصل، بينما يجسّد هذه الجوانب الثلاثة من خلال مراجع بصرية، بهدف توجيه حركة المشاهدين الفعلية عبر هذا الفضاء، من خلال ترسيخ المعرض بنقطة مركزية تتسع نحو الخارج. يحتفي المجاز من وراء التموّج بأثر الفعل الفردي حين يمتدّ عبر الزمن ليطال الكثيرين، في تأكيد على أهمية المعارف ورهافة بنيتها، ويرصد لحظات محورية متنوعة شكّلت العقد الماضي من المنظومة الفنية، من خلال مقاربة سير ذاتية وتأملية في آن واحد.