تأملات في المكان، في الخطو، وفي الذاكرة

بقلم فين موراي جونز

3b6b0b26-498e-4007-9336-97040af4d642-6010efec9a64e.JPG (Events Big)


بإمكان المرء أن يجد قلب أبو ظبي الحداثيّ في ميناء زايد، فهو وعبر تخطيطه الشبكيّ والعمارة الوظيفيّة لمباني بلديّته يرمز للّروح الرّائدة الحديثة الّتي أنارت طريق التّخطيط العمرانيّ الباكر في أبو ظبي. بدءا من المسلخ الأوتوماتيكيّ (وهو أحد عدّة محالّ أوتوماتيكيّة متوزّعة في المدينة كالمخابز والمطاعم) إلى مبنى الجّمعيّة التّعاونيّة متعدّد الطّوابق ومن أسواق الدّرايف ثرو إلى الرّافعات الشّاهقة الّتي حمّلت وفرّغت بضائع العالم بلا كلل، كان إنشاء ميناء زايد في أوائل سبعينات القرن الماضي قد دفع بأبو ظبي نحو عصر الماكينة ونحو عالم جديد قد أغنى بالتّكنولوجيا حياة سكّانها. جاء إنشاء الميناء بأمر من حاكم الإمارة المغفور له الشّيخ زايد بن سلطان آل نهيان والّذي كان مصمّما على الارتقاء بأبو ظبي إلى القرن العشرين وعلى تزويدها ببنية تحتيّة تليق بمكانتها كعاصمة للاتّحاد حديث الإيجاد

 

منذ ذلك الحين كان الميناء عنصرا متمّما لنمو المدينة ومركز تغيير في مشهد حضريّ مستمرّ بالتّجدّد. تمثّل هذه المنطقة من أبو ظبي وعلى عدّة أوجه صورة مصغّرة لبقيّتها، وإنّ بالإمكان تتبّع الهيئة الحضريّة والمتبرعمة للمدينة عبر النّظر في تاريخ الميناء نفسه. انطلاقا من هذه الأهميّة التّاريخيّة الشّاملة اخترنا ميناء زايد ليكون مستهلّا لأولى مجموعاتنا من المتدرّبين. عبر برامجنا من ورشات العمل والنّدوات وجلسات النّقد استجاب المشتركون معنا لمنطقة ميناء زايد عبر أعمال في التّصوير الفوتوغرافيّ والفيديو والتّصميم الغرافيكيّ والرّسم الرّقميّ وتركيبات الملتيميديا وأظهروا بذلك الشّخوص والأماكن والإنشاءات الّتي تجعل من ميناء زايد ما هو عليه في وقتنا الحاليّ.

بيّن عام 2020 لنا جميعا كونه عاما تاريخيّا على نحو خاص، وأمّا بالنّسبة لميناء زايد فقد شهد في ذاك العام هدما نهائيّا لأبراج مينا بلازا، وهي مجموعة من المباني الغير المكتملة القابعة على مدخل الميناء والّتي كانت هامدة لجزء كبير من العقد المنصرم. وحتّى مع كون الهدم شيئا غير اعتياديّ في الإمارات العربيّة المتّحدة فقد كان لهذا الهدم بالتّحديد أهميّة خاصّة، إذ أنّه أعلن عن بدء مرحلة جديدة من تاريخ ميناء زايد ووفّر نظرة مستقبليّة نحو تصوّر جديد لما قد يؤول إليه. مند انتقال عمليّات الميناء إلى منطقة الطّويلة دخل ميناء زايد في حالة من الخمول معلّقا بين ماضٍ مزدهر ومستقبل غير معروف. على هذا النّحو، فإنّ المشاريع الّتي ترونها هنا لها وظيفة أرشيفيّة توثّق وتحيي ذكرى الميناء كما كان عليه في عام 2020، أي على عتبة تحوّله الكبير.

 

تستكشف ساندرا في مشروعها هذه الحالة من المؤقتيّة وتحاكي سوداويّة الحنين إلى هذه المنطقة الصّناعية سابقة الازدهار وحاليّة الخلوّ. ضمن صورها يمكن إيجاد فكرة متكرّرة في التّقاطعات البصريّة الّتي تبرز على خلفيّات مكوّنة بعناية، وقد تتمثّل في كرة برتقاليّة وحيدة في رقعة من العشب الطّويل الباهت أو في حديد تسليح ملتوٍ يقصّ واجهة مغبرّة لمستودع. عبر التقاطها لآثار التدخّل البشريّ على مشهد قد خلى من البشر تتحدّث ساندرا عن شوق يبدو متّجها نحو الماضي والمستقبل في آن واحد. إنّ ذات الرّكود الزّمني هذا هو ما تستكشفه لطيفة في عملها. تقدّم لطيفة سلسلة من المشاهد الانطباعيّة والّتي هي مقاطع أفلام قصيرة تعيد ذاتها وتتنكّر على هيئة صور ثابتة. يرسّخ عملها أعين النّاظرين في الحملقة إلى حالة من المؤقّتيّة الدّائمة إلى أن تنبّههم حركات صغيرة في الصّور إلى كونها في الحقيقة صورا متحرّكة. يستكشف هذان المشروعان هذا التّوتّر بين الماضي والمستقبل، وهي استعارة لمنطقة الميناء ككلّ فيما تتأرجح على حافّة تحوّل كبير.

 

تنظر لارا أيضا نحو المستقبل في مشروعها، حيث تقترح طريقة لإعادة استعمال قوارب الدّاو المهجورة على القرب من معرض421 عبر إغراقها في البحر حول الميناء لتبدأ حياة جديدة كشعاب مرجانيّة اصطناعيّة. تنضمّ عائشة إلى التّساؤل عمّا نفعل بمخلّفاتنا، حيث تلفت انتباهنا إلى الحطام الّذي لا زال يحشو بعض المستودعات والّذي هو من بواقي نشاطات تجاريّة ازدهرت ذات مرّة. يطرح هذان المشروعان أسئلة مهمّة عن الحفاظ والاستهلاك.

بعد وقت وجيز من بدئنا للبرنامج في بداية عام 2020، فُرضت في الإمارات العربيّة المتّحدة قيود جديدة على الحركة كجزء من الجّهود لإبطاء تفشّي فايروس كوفيد-19. عنى هذا بالنّسبة لمتدرّبينا أنّ المجيء إلى ميناء زايد صار الآن أكثر صعوبة، بل وأنّ مجرّد لقاء الآخرين والتّفاعل معهم فيه صار أكثر تحدّ. تتتبّع مزنه في مشروعها مجموعة من الرّجال الّذين ينظّمون ألعاب كريكيت غير رسميّة أيّام الجّمعة في المنطقة المجاورة لمقبرة قوارب الدّاو. بعد معاناتها في بادئ الأمر من التّواصل مع هؤلاء الرّجال الّذين اشتبهوا كونها موظّفة حكوميّة تتحقّق من تباعدهم الاجتماعيّ ومن ارتداءهم للكمّامات، تمكّنت مزنه من نيل ثقة الكابتن طلحة وفريقه. تلتقط صورها صراحة اولئك الرّجال فيما يطلعونها على تقاليدهم في أيّام الجّمعة.

 

إنّ كاث لم تعد غريبة على الباعة في أسواق الميناء، فبعد أيّام قضتها في التّسكّع معهم والدّردشة معهم على أكواب من الشّاي ورسمهم وحتّى في انضمامها إلى لعبة كرة قدم معهم كانت قد تخطّت هي أيضا حواجز في التّواصل مع شخوصها. إنّ متحف كاث للأشياء العاديّة تمثيل لأشياء عدّة، فهو توثيق لميناء زايد في عام 2020 إضافة إلى كونه سجلّا شخصيّا للوقت الّذي أمضته في استكشاف وتحليل ورسم خرائط لمحيطها وتعبيرا عن تفاهمها مع المنطقة، وهو من نواح عدّة بيان عن الدّور الفرديّ الّذي قد يلعبه القيّمون الفنّيّون في إنشاء المتاحف ومجموعاتها. أمضى أوغستين أيضا وقتا في التّعرّف على مجموعة أخرى من أناس الميناء العابرين، وهم السّائقون الّذين يزوّدون أسواقه بالمنتجات الطّازجة من عبر الإمارات العربيّة المتّحدة والمنطقة الأوسع. يسرد أوغستين بتركيبته الفنّيّة قصص هؤلاء السّائقين عبر تركيب دقيق من الشّذرات، محدّقا بنظرة خفيّة ودقيقة، قريبة وحميمة ولكنّها بعيدة، ومُظهرا جدّيّة نواياه، وكلّها أدلّة على هدفه في معاملة شخوصه بكرامة لائقة.

 

إنّ المستودعات الّتي ترصف شوارع ميناء زايد المتشابكة كانت يوما ما مستقرّا لعدد كبير من الشّركات المؤدّية لمختلف الوظائف، ومع الهجر التّدريجيّ لمستأجري المستودعات على مدى السّنوات القليلة الماضية تُرك العديد منها فارغا دون أدلّة عن حياة سبقت. بالنّسبة لبعض المستودعات، كان هناك بعض من هذه الأدلّة المتبقّية، وبالنّسبة لبعض مشتركينا، كانت تلك الأدلّة هي ما ألهم مشاريعهم. وجد منصور باكرا على مرّ المشروع كنزا يساوي وزنه ذهبا، إذ اكتشف مجموعة من كتب اليوميّات وقصاصات الجّرائد و كاسيتات الفيديو المغبرّة. عبر تجميعه لإيجاداته وبإلهام من محتويات قصاصات الجّرائد الّتي جمعها يخلق منصور عالما شبه خياليّ في مقطع فيديو يصوّر باحثا من الفضاء يعمل في ميناء زايد ويحاول أن يجمع أدلّة كما فعل هو مع ما وجد في المستودع. أمّا اكتشاف مريم فقد جاء على هيئة مستودع مليء بزين الأعراس المستعملة بجوار صالة الأفراح القريبة من الجّمعيّة التّعاونيّة. بإلهام من تجاربها مع أزفّة أصدقائها وأقاربها، تستعمل مريم الأشياء الّتي وجدتها لتجهّز سلسة من الموائد بأساليب ينقد كلّ منها جانبا معيّنا من ثقافة الأزفّة في الإمارات.

 

تعتمد فاطمة أيضا على تجاربها الشّخصيّة في عملها وتعود بالذّكريات إلى زيارتها لميناء زايد حينما كانت طفلة. عبر تصويرها لأفراد عائلتها تسرد فاطمة في كلّ مشهد تصنعه قصّة من طفولتها أمام خلفيّات من ميناء زايد كسلسلة من قصص يصير ميناء زايد فيها مسرحا. عبر وضعها لنفسها في كلّ من المشاهد نتذكّر أهمّيّة منطقة الميناء لمن ترعرعوا في أبو ظبي. تستكشف لينا أيضا في مشروعها ميناء زايد من منظور شخصيّ. إنّ إرسال بطاقة بريديّة لفتة شديدة الشّخصيّة وبغضّ النّظر عن كون المنتج نفسه مصنّعا بالجّملة وبالمقاييس. تمثّل اختيارات لينا للصّور في تصاميمها المقدّمة بأسلوبها المميّز في فنّ الكولاج استكشافاتها الخاصّة لميناء زايد وما لفت انتباهها فيه وما وجدته مثيرا للاهتمام لدرجة مشاركته مع عائلتها وأصدقائها في البعيد.

 

مع دخولنا في عام 2021، بدأت بالفعل المراحل الأولى من تحوّل ميناء زايد الحتميّ. عبر توثيقها لميناء زايد كما كان في عام 2020 تحتفي هذه المشاريع بمنطقة الميناء وبكلّ مجدها المتفرّد، معلنة بذلك انتهاء هذا الفصل من حياة ميناء أبو ظبي. كما هو الحال في أبو ظبي ككلّ، فإنّ ميناء زايد يمكث في حالة من التّغيّر المستمرّ، وإنّ توثيق هذا التّاريخ في هذه المدينة ذات السكّان المستمرّين بالتّجدّد أمر مهمّ حتّى لا يندثر تاريخها. آمل أن يُنظر إلى هذه المشاريع كدعوة للحفاظ على تراث المدينة الحديث وكضمان لبقاء طابع ميناء زايد الجّوهريّ في وجه خطط إعادة تطويره.