«مقعد بيننا»

بقلم منى عيّاش

 

«مقعد بيننا»

تواصلت معي «جلف فوتو پلس» (GPP) لأوّل مرّة في فبراير 2020 بخصوص برنامج تدريبيّ كانوا ينظّمونه مع معرض421 في ميناء زايد. طُلب منّي أن أناقش ممارساتي الفنّيّة وأن أشارك في جلسات نقد فرديّة مع مشتركينهم في مارس 2020. حينما جاء شهر مارس وقصُرت رسائلنا الإلكترونيّة، كان علينا أن ننتظر لنرى مجرى سير الأمور مع تفشّي ڤايروس كوڤيد-19 والّذي لم يكن قد صار جائحة آنذاك. وصل انتظارنا نهايته واستأنفنا رسائلنا الإلكترونيّة في سبتمبر 2020.

كنت في ذاك الوقت لا أعمل إلّا من المنزل، ولم تكن لديّ فكرة عمّا أتوقّع حينما أصل إلى GPP: هل سنرتدي كمّامات إبّان تقديمنا؟ هل سنجلس وبيننا مسافة كافية؟ اتّضح لاحقا أنّ الإجابة كانت نعم على كلى السّؤالين. كنت أتحدّث بأعلى صوت ممكن خوفا من ألّا يكون صوتي واضحا مع الكمّامة. نظرا إلى الوراء، لربّما بدا الأمر أنّني كنت أصرخ عن الفنّ. دُعي غيري من الفنّانين المحلّيين للتّقديم، ومن ثمّ انتقلنا جميعا للجّلوس على طاولات مرتّبة بشكل نصف دائريّ بينها مسافات واسعة ومجهّزة لمحادثات فرديّة مع المشتركين. لم تكن لديهم طريقة للحديث عن مشاريعهم دون التّطرّق إلى الجّائحة. كانت مشاريع البعض تسير على ما يرام بينما توجّب على البعض الآخر إعادة صياغة مشاريعهم. في نقطة ما، جاءني فين موراي-جونز من GPP حاملا لاپتوپّا أعطاني إيّاه ليسلّمني المشترك التّالي والّذي لم يكن قادرا على الحضور شخصيّا. كانت تلك واحدة من اللحظات الّتي تذكّر المرء بغرابة وقتنا الحاضر.

التقيت يومئذ شخصيّا بفاطمة الفردان وشدّني مشروعها المعنون «نحن نرقص بشكل غير متزامن على نفس المسرح»، والّذي ينطوي على العمل مع صور ونصوص. ينظر العمل في حياتها الشّخصيّة وفي علاقتها مع ميناء زايد.

كان «هوّة بيننا» عنوان إحدى صورها، وكان ذلك مصدر إلهام لعنوان هذا النّصّ. تصوّر الصّورة أفراد عائلتها وهم جالسون على مقاعد متقابلة وبينهم مسافة واسعة تفصلهم. يناقش النّص الكبير المخطوط يدويّا في أسفل الصّورة تهجير الأناس الّذين انتقلوا إلى أطراف المدينة والأناس في ميناء زايد الّذين هُجّروا أو الّذين سيُهجّرون عمّا قريب. تطرح فاطمة في هذا العمل سؤالا: ”ماذا يصير بسرودنا حينما تتفكّك مساحاتنا أو حينما يعاد تصميمها وتتغيّر وظيفتها؟“. ضحكت مع نفسي وفكّرت في كيف أنّ الجّائحة كانت قد أجابت على هذا السّؤال نيابة عنّا جميعا. لربّما لم تكن تلك الإجابة الّتي كانت هي تبحث عنها، إلّا أنّها إجابة رغما عن ذلك.

 

«سيّارة بيننا»

دُعيت بعد بضعة أسابيع لحضور جلسة نقد جماعيّ مع المشتركين في البرنامج ولنواصل محادثاتنا، وهذه المرّة في معرض421. توقّفت على حدود دبيّ وأبو ظبي وانتظرت في طابور لإظهار نتيجتي السّلبية في فحص الـ PCR. رفعت هاتفي لألتقط صورة لطابور السّيّارات المنتظرة لدخول أبو ظبي، وانتبه عليّ الضّابط فغمرني التوتّر وأنزلت يدي بسرعة. كان يجدر بي أن أكون أكثر حذرا. لم يقل الضّابط شيئا حينما وصلت إليه، إلّا أنّ القلق بدا عليّ وعلى وجهي المرتدي للكمّامة. لمس الضّابط هاتفي عرضا حينما كان ينظر إلى نتيجة الاختبار. تمنّيت لو لم يفعل ذلك. تمنّيت لو جلبت معي مناديل معقِّمة، ولم أفعل. قلت لنفسي: ”لا بأس. كلّ ما عليكِ ألّا تلمسي وجهك. امضي قدما. قودي أماماً.“

في هذه الجّلسة الثّانية، خضت في الحديث مع أوغسطين پاريديس وفي عمله «هل أقود بأمان؟ يرجى الاتّصال». يبحث المشروع في أسلوب حياة سائقي الشّاحنات المارّين بميناء زايد وأسواقه. تعمل الشّاحنات كوسائل للنّقل وكمنازل مؤقّتة لسائقيها فيما يقودون بين وجهاتهم، وتحتوي كلّ واحدة منها على أغراض وقصص تُجمع في نهاية اليوم لتصنع منزلا مؤقّتا. طُبعت بعض الصّور على قماش وعُلّقت من أعلاها، وتسمح شفافيّة القماش برؤية عدّة صور في آن واحد، محاكية حركة الشّاحنات وسائقيها.

 

«صورة بيننا»

من الصّعب القيام على مشروع تصويريّ عن عمليّة تفكيك أحد المعالم دون تهمة النّوستالجيا. أذكر على سبيل المثال أنّني صادفت مرّة عمليّة هدم «الرّعد للبولينج»، وهي صالة بولينغ وقاعة بلياردو مشبوهة تحمل العديد من الذّكريات في دبيّ. كنت مسلّحة آنذاك بكاميرتي فهرعت لأنزل من سيّارتي وألتقط الفرط من الصّور لذلك المشهد وبصيغة RAW من باب الاحتياط، دون دراية بعد عن أنّني كنت لأختزن تلك الصّور وليس أكثر. لم أري الصّور لأيّ أحد خوفا من تهمة النّوستالجيا، وجثُمَت كلّها في بطاقة الذّاكرة خاصّتي ومن ثمّ في قرص الذّاكرة الصّلب خاصّتي، وهي الآن مدفونة أعمق وأعمق في الرّكام الرّقميّ.

تحرص المشاريع النّاتجة عن هذا البرنامج كما رأيتها على النّظر إلى المنطقة من باب الفضول لا من باب الحِداد، وهي استكشاف لميناء زايد فيما هو على عتبة التّحوّل، كما في العمل الڤيديويّ بعنوان «سعي» للطيفة المزروعي. فيه تظهر للعيّان مشاهد صامتة من حول ميناء زايد فيها الخافت من الحركة الّذي يجعلها تقرب من كونها صورا ثابتة، وفي هذا إبانة لمرور الوقت. في بعض المشاهد نرى إشارة الدّائرة الحمراء مطليّة على أبوب أو جدران المستودعات. تبيّن لي لاحقا أنّ تلك الإشارات ترمز لكون مكان ما جاهزا للهدم، مذكّرة إيّانا أنّ تلك الصّور مؤقّتة، حتّى مع محاولتها لتكون بطيئة وراكدة.

 

«قناع بيننا»

عدت إلى معرض421 في السّادس من فبراير لحضور الافتتاح الأوّليّ للمعرض، ورحّب بي الفنّانون والقائمون على المعرض. كان بعضهم قد ارتدى كمّامة فوق أخرى وتساءلت أنا إن كان ذلك قد أشعرهم بالأمان الزّائد أم بالنّدى الزّائد. حاولت أن أتحدّث بمزيد من الحماس لأُظهر أنّني أبتسم خلف كمّامتي، وقاموا هم بالمثل. انتهى البرنامج وتلاه احتفال صغير: سبب للتّجمّع بأمان وحذر وعمد.

يعكس عمل مريم الحريز في المعرض هذا الاحتفال الهادئ. عرضت مريم سلسلة من الصّور لأشياء عثرت عليها في مستودع مهجور مليء بصناديق من معدّات وزينات الأزفّة. تؤطّر الصّناديق الكبيرة الموضوعة على جوانب الطّاولة الحياة الصّامتة وتذكّرنا بكونها لم تترك ذاك الموقع قطّ. تقاطع السّلسلة المعنونة «زفاف واحد أخير» مصير تلك الزّينات وتعطيها فرصة أخيرة للتّألّق تحت الأضواء.

img-1298-72-603e06286a14b.jpg (original)
فاطمة الفردان
الصدع بيننا، 2020
طباعة أرشيفية على ورق

dscf6060-1650-604499aa19bf9.jpg (original)
أوغسطين باريديس
"هل أقود بأمان؟ فضلًا اتصل" 2020
طباعة أرشيفية على ورق

1-1-603e09490326c.png (original)
لطيفة المزروعي
السعي، 2020
لقطة من فيلم

copy-of-img-9868-72-603e076cc5db5.jpg (original)

مريم الحريز
حفل زفاف أخير، 2020
طباعة أرشيفية على ورق فنون جميلة