الفكرة

هل من أصوات للمدينة يمكننا عزلها عن الحساسيات؟
المطارق التي نسمعها، والقطارات، وحركة الطائرات والصناعات،
البحيرات الباقية ذات النوافير اللاهثة، والطيور الواقفة على الشجيرات
مجبرةً على الوقوف في طابور، وتتردد على مسامعنا الخطابات والموافقات
هل يعوزنا سماع نزاهة المدينة ورجاءها؟

أين تعثر أصوات المدينة على مقطوعة منسابة أو حالة لا لحنية
تجمع جميع خيالات سكانها وإشكالاتها؟

هل نسمع الصوت داخل صوت المدينة؟
وما هي تلك الأصوات التي يجب على خطاباتنا المتيبّسة كبتها؟

أين يجب على الصلوات الاختباء في صوت المدينة حتى يتسنى للسحاب والماء الوصول إليها؟

نغمة خفيفة من المدينة؟ نغمة جهيرة؟ أصوات عديدة؟ ملايين منها في عوالم كونية؟


تعدّ أصوات المدينة أحد أكثر الأنظمة اللامركزية في حياتنا، حيث تلتقي التناغمات المتفككة بعيداً عن المنحنيات متعددة الألحان طويلة الموجة، مستمتعة باستقلاليتها في خضم عمليات اندماج من أنواع جديدة دائمة الحدوث، معبراً عن فجر صوتي يتفتق لكل مدينة، على شكل مناخ اختلقته المجالات الصوتية العديدة لسكان المدينة، بشراً كانوا أم غير ذلك. تعشش الطيور في مئات المقابر وإشارات القطارات المنتشرة حول المدينة، فضلاً عن بعض البحيرات الباقية، نابضة باهتياج له ذبذبات خاصة، تمتزج بانسيابية مع مجالاتنا الصوتية المحلية. ومن خلال ممارسة مجموعة "باريا" في مراقبة النغمات الجهيرة ومختلف الأصوات الصادرة عن التشظيات المعتادة من حولنا، شعر الفنانان باندثار خريطة سمعية من أذواقنا الصوتية.

هل يمكننا العودة إلى المدينة كبنية طبيعية والاستماع إلى أصواتها العديدة التي تشكّل بيئاتنا الصوتية بصورة متبادلة؟ أرادت باريا الكشف عن كثب عن النغمات التي تشكّل الخريطة الصوتية للمدينة، ففسح الفنانان للمدينة تولي دور المغني، من خلال تجميع المقاطع الصوتية، على غرار الغناء بنغمات متعددة، أو غناء الحنجرة المنحدر من توفان، أو الترانيم البلغارية متعددة الألحان. وبدلاً من النظر إلى صوت المغني ومعاينة عُربه الصوتية، أرادا الاستماع إلى ما تقوله المساحة بكل تعدداتها، بغية الكشف عن مخيلة جديدة للمدينة، على شكل مخاوف وهموماً صوتية جديدة، وأصوات تعبر عن الحياة اليومية والمساحات والمجتمعات التي تتوحد في تعددها، وتتشارك في طقوس حسية زمنية. يتميز "الكيان الطبيعي" بضجيج ديستوبي على غرار بيئات عذراء يشوبها اللون الأخضر، ويغطي جميع أجزائها المتطورة. تكشّف كل ذلك من خلال التقاط أجواء المدينة الصوتية، وعرضها ضمن كولاج صوتي نصّي، بما في ذلك البيئات المائية وفوق الصوتية، بحيث لا ينشأ هذا الكولاج باستخدام الأصوات كما هي فحسب، بل تركيبها للسماح لنغماتها الخفيفة والجهيرة بالظهور من جديد.

يهدف المشروع إلى منح المدينة فرصة جديدة للإنصات، ومساحة تتيح لانتباه المستمع ومخيلته المساهمة في إنتاج المقطوعة الموسيقية. وبالتالي، قد يتضمن المشروع مؤلفات متعددة القنوات تشغّل نغمات خفيضة وجهيرة متشظية ودندنات من مكبر صوت المدينة، ناجم عن المقابر والبحيرات والجسور والطرق السريعة والمتنزهات والمجمعات الصناعية.

 

visuals-6-65b286bbf193d.png (original)

 

 

التنفيذ

"طنين خارج الصوت من جلسات المدينة" هو سلسلة من المؤلفات والعروض الأدائية متعددة القنوات، مؤلفة من عديد الأصوات الخفيضة والجهيرة والمتعددة. فبعد تسجيل مقاطع صوتية من جميع أنحاء دلهي، تعمل مجموعة باريا على تجميع هذه المقاطع بما في ذلك المقابر ومحطات القطار والطرق والبحيرات والنغمات الافتراضية والمنتزهات والمناطق الصناعية والجسور والأنفاق والجامعات والبيئات فائقة الصوت. عمد الفنانان إلى استخدام مجموعة متنوعة من الفلاتر العكسية، واختارا ضفائر النغمات غير المسموعة، وتلك التي تشكل هياكل متعددة الأبعاد لبيئة متعددة الألحان يمكن تفكيكها إلى عدد لامحدود من النغمات المتوافقة.

تعطينا هذه الضفائر تلميحات حول الميتافيزيقيا وصدى أكبر للمدينة، صدى تتقارب فيه التلميحات على شكل نغمات افتراضية، ونغمات ناجمة عن تفاعل جميع عناصر دلهي في فضاء صوتي لا مركزي، على شكل فجر صوتي يتفتق لكل مدينة.

فلترة التردد
لإبراز التناغمات العلوية والأكثر تأثيراً في المشهد الصوتي، والتي ما تخفت عادةً بفعل ارتفاع صوت النغمات الأساسية، استخدم الفنانان فلاتر رقمية عكسية ذات طنين حاد جداً، والتي تستخدم عادة في معالجة الصوت لإزالة تردد وحيد أو جوقة ضيقة من الترددات. لكن الفنانان استهدفا عكس ذلك من خلال زيادة النطاقات الضيقة، والتي تمثل بقايا النغمات الخفيضة والجهيرة والمتعددة من المدينة باستخدام فلاتر عكسية بمعامل جودة يصل إلى 10. يعادل معامل الجودة 1 عرض النطاق الترددي 1.38 جواب (أوكتاف)، في حين يعادل معامل الجودة 6 عرض نطاق ترددي مقداره 0.25 جواب. ومن خلال عزل النغمات، عملا مع نغمات جهيرة من 1 إلى 20 كيلو هرتز، ونغمات خفيضة تتراوح من 60 إلى 20 هرتز.

ميتافيزيقيا التنفيذ
تحديد مفارق شعرية جديدة من خلال الاستماع إلى أصوات المدينة العديدة، وتحديد/اكتشاف غرف جديدة للاستماع/الراحة من خلال تضاريس المدينة الافتراضية/الحقيقية

رصد الصدمات الصوتية والتوفيق بينها.

استكشاف نزاعات أصوات المدينة وإيجاد حل فوري لأطياف لم تخضع للتأمل في غالب الأحيان (نغمات خفيضة، نغمات جهيرة، نغمات متعددة)، والتعرف على ثقافة الآخر والاستماع إليه.

التخيل والتكهن بطرق صوتية حيوية لابشرية للإقامة والتصالح مع أماكن الانزعاج الصوتي، والبحث عن فترة راحة من أدق الاضطرابات.
النغمات المتعددة، وبعض النغمات الجهيرة الناشئة، وقعقعة النغمات الخفيضة، والطين، وكل ما يعتبر لا مقبولاً أثناء المزج والتحسين في الاستوديو، عندما تعطى جميع النغمات فرصاً متساوية للظهور، بهدف إنشاء فجر سمعي صادق ونابض بالحياة.

ساعدتنا الألحان المكتشفة هنا على تحقيق لامركزية الاستماع وإبراز الأشياء اليومية سريعة الزوال من خلال توسيع نطاق حميميات الإصغاء خارج أجسادنا وضمن حدود المدينة والأصوات بمفردها.

لنجد هناك توافقاً متجدداً باستمرار بين الصوت الأخفّ في الخلفية والأصوات الأساسية والأعلى والأكثر انتباهاً.

استماع إلى البيئة، يفضي إلى أصوات متعددة (مخفية تحت ذكريات عضلات الاستماع التي تحركها العلاقة الناجمة عن الخوف بين المفترس والفريسة).

نفهم القسوة من خلال الطيف الصوتي ومدى عمق الاستماع بصدق وكل ما يلزم للوصول إلى شمولية صوتية تحتضن الجميع.

 

 

bariya-portrait-65b286b9b5a0c.jpeg (original)

 

 

 

النتيجة

بلغ جمع وتوليف النغمات الخفيضة والجهيرة والمتعددة ذروته في حلقة متعددة الألحان واسعة النطاق من مشهد المدينة الصوتي، والتي تشمل أصواتاً ملتقطة خلال المشي لأكثر من مائة كيلومتر داخل المدينة وحولها، والتقاط تشكيلات صوتية مختلفة، وتعريض المستمع إلى حوارات وأغانٍ كونية ذات طبيعة أضعف. يمكن تشغيل الحلقة في محطات استماع عديدة، واستخدام عشرات الأصوات متعددة الألحان والعلامات النصية، مكملة برسومات تصور المدينة كمغنٍ جماعي يطلق ضفائر من الأصوات المتعددة لتنطلق ضمن مساحات موجودة بداخلها وفيما حولها. تكمل مخيلة المستمع حوالي نصف الأصوات، بدءاً بتلقي الغضب والعواطف الأخرى، مروراً بالمشاركة في الإشكالات، وصولاً إلى إيجاد مكان سحري وروحاني، وتوفيق الصدمة الصوتية لضجيج المدينة. يمتزج الضجيج الديستوبي مع التناغم الروحي لتحرير الأذن من معارف العقل وحكمته، وإفساح المجال أمام إحساس جديد من الاهتمام بالحياة اليومية.

 

visuals-4-65b286ba81ad9.png (original)

عن الفنانة

براتيوش بوشكار وريا راجيني، (باريا)

براتيوش بوشكار وريا راجيني، والمعروفان كذلك باسم باريا (وفي هذا المعرض باسم ريا) هما ثنائي فني مستقل ومتعدد التخصصات من نيودلهي الهندية، يتخصصان في الفن والشعر والكتابة. ومن خلال عرض الفن بطريقة شعرية أو محيرة، يفترضه الثنائي عضواً يذوب/يسكن في بقايا الروحانية المشوشة، ويخلق انسجاماً صوتياً مع الغلاف الحيوي، ويتأمل كل ما يجري من خلال طيف جندري، ويسبر أغوار الوساوس القهرية (الكمومية)، في أثناء إدراكه للعوائق الثنائية والعرقية التي تشكك في المكتشفات الروحانية المتآلفة. 

 

آخر الأعمال والمعارض: أوكتودورغا – ذي ستيج في غاليري ثايسين بورنيميزا للفن المعاصر؛ كيف تخطو برفق، متحف بورنيميزا الوطني، مدريد، ومتحف مدينة ليوبليانا؛ #كوب26 كما لو كان بثاً إذاعياً 2021، مخواس سونيك؛ مهرجان سور أورال، ميد ديو ديمس (جمعية تسونامي للفنون)؛ راديو تسونامي، راديو فرينيا 2022 (مركز الفن المعاصر، غلاسكو، مركز فايمار في جامعة باوهاوس 2022)؛ كالاشاكرا، دورية سولتيود رقم 4، أكاديمية شلوس سولتيود للنشر، ألمانيا.