يا نارُ رافقيها

يا نارُ رافقيها


قل ما شاء الله! إنها هنا، لقد عادت إلى الساحة ولم تعد غريبة بينهم. مرّ الكثير من الليالي منذ لفتت نظرك وها هي تركض في ميناء زايد وتحرق كل تلك الليالي لتصل إليك دون أي اعتذار.
يجرؤ الفيلم الساحر "النار تمشي معها" على منافسة أعمال المخرج ديفيد لينش ويتراقص على أوتار أرواح الفنانات مريم حسان وعزيزة جلال والراحلة الشيخة الريميتي التي تستحوذ على كيانها.


تنخرط هذه السلسلة مع معرض الخريف، "وبينما ننظر إليها"، وتعود بقوة ونجاح إلى معرض421 بأفلام من صناعة نساء لديهن الكثير من القصص تتوج رؤوسهن، حيث ينسجن من خلال أصواتهن الحكايات الواضحة التي تستهوي أفئدة المتابعين وتسحر عيون الناظرين.


يشهد شهر أكتوبر افتتاح البرنامج الذي يصور ثلاثية سيربيروس الخفية من الغضب والصمت والحزن الفارغ للابتسامات الحيوية. يضم البرنامج العرض الأول للإمارات العربية المتحدة للفيلم السعودي القصير "من يحرقن الليل" للمخرجة السعودية الصاعدة سارة مسفر، والرسالة اللطيفة المتمثلة في الفيلم اللبناني "كيف أصبحت جدتي كُرسياً" التي يوجهها المخرج نيكولا فتّوح إلى جدته، والفيلم المغربي "آدم" للمخرجة مريم التوزاني عن صداقة المرأة. وفي نوفمبر، يسيطر اليأس على عالم الخيال في الفيلم الكويتي "بنت وردان" للمخرجة ميساء المؤمن عن صداقتها مع صرصور والفيلم المصري "بعلم الوصول" للمخرج هشام صقر عن العتمة التي تشعر بها بطلته هالة. وفي ديسمبر، ينتهي البرنامج مع تخلص المرأة من هذا اليأس وإعادة تشكيل القدر ليتوافق مع قوانينها. فتتمتع بقدرتها على الرفض وتجرؤ على قول لا في الفيلم السوداني القصير "الست" للمخرجة سوزانا ميرغني، بينما تحارب أخرى لتحظى بالقبول في فيلم مي زايد التي تكرم رحلة فوزها. تُسبب هذه الأفلام حالة من الخزي والفضول، وإذا انتهت على خير، فستستحوذ عليك بكل تواضع وتتركك متلهفاً ومفعماً بالأمل غير قادرٍ على الرمش. فتعالِي يا نار...امشي معها! شاهد الماء يضحك والهواء يُفتت والأرض ترقص معها!

 

موقع: معرض421, ميناء زايد, أبو ظبي.

 

 

cinema-akil-60f0116964daa.png (original)  



مقال

أفلام عربية جديدة عنها… هي وضمائر أخرى 

كجزء من برنامج الفيلم الخريفي: يا نار رافقيها، يكتب مَ هُوجْلا-كَلْفَتْ مقالًا عن الأفلام الخمسة في السياق القيِّمي للبرنامج.

الأفلام السبعة التي أناقشها أدناه تأتي في الظاهر من ستة بلدان عربية يعددها بيان القيِّمات، ولكن من المفترض أنها صُوّرت في خمسة فقط، بما في ذلك بلد منشأ وإقامة كاتب هذه السطور، وبالتالي فهي تظهر واقع تلك البلدان. أربعة منها أفلام قصيرة، وهو نوع أو قالب فيلمي أكثر توافقا مع التجريب من القوالب الأطول لأسباب إنتاجية؛ واحد منها هو تحريك شديد الخيالية؛ وآخر هو فيلم وثائقي أي من ذلك النوع أو المنوال الفيلمي المرتبط عادة بادعاءات لقول لحقيقة وتمثيل الواقع، وتوقعات بذلك، أقوى مما في حالة الأفلام الروائية (الخيالية).

 

Read More

النظام الأبوي بدون آباء

الفيلم الوثائقي عاش يا كابتن (٢٠٢١) صادق إجمالا بالنسبة إلى حقيقة تاريخية أساسية ذات وجهين: فمنذ البداية، كانت أعلى الرياضات المصرية حصولا على ميداليات في الأولمبياد هي رياضة رفع الأثقال، تليها المصارعة. وهما معا وثالثتهما الملاكمة المعقل التاريخي للطبقات المصرية الدنيا أو العاملة أو الحضرية الكادحة. من اللافت أن قصة الهيمنة هذه (بالرغم من أنها، أو ربما لأنها، هيمنة طبقية عكسية) تظهر في عدد قليل من الأفلام الروائية - أبرزها "فيلما ملاكمة" ، إذا استخدما توصيف كيت بلانشيت، يعودان إلى عامي ١٩٨٤ و١٩٩٠، وكلاهما من بطولة أحمد زكي - واضطررت إلى الانتظار طوال هذا الوقت حتى تظهر في فيلم وثائقي. الفيلم الذي صدر بشكل إعجازي في ما اللحظة التي وصفت بالمخزية والمشينة في تاريخ رفع الأثقال المصري، فيلم ’نادر‘ لمي زايد عن واقع غير خفي إلى هذا الحد، يلتقط التاريخ من اللحظة التي دخلت فيها المرأة المصرية المشهد منتصرة في عام ٢٠٠٣، وقد أخذت تغير البعد الجنوسي لهذا الواقع منذ ذلك الحين. بينما يتم تضخيم الحقائق وأحوال الواقع الرياضية الأخرى على نتفلكس، فإن قصة اقتراب أسماء رمضان من سن الشباب كما ترويها زايد بشكل بطولي في الزمن الفعلي تعطي موطئ قدم لقصة أكبر لا تزال مهمشة على عدة مستويات. وعاش يا كابتن هو على قدم المساواة بورتريه للمدرب والرياضي المتقاعد رمضان عبد المعطي (المعروف أيضا باسم رمضان محمد السيد)، وهناك ضربتان من العبقرية أو أكثر في العنوان العربي (مفقودتان في الترجمة الإنجليزية) حيث يمكن أن يكون "الكابتن" إما الكابتن أسماء أو الكابتن رمضان. وهناك الحيادية الجنوسية اللطيفة وليست مجرد زينة بلاغية، وإنما تلخص ببلاغة موضوعا رئيسيا في الفيلم (ناهيك عن فضائل العنوان الأخرى، وتحديدا التلميح إلى الحياة والموت والخلود).

 

الكابتن رمضان هو أحد شخصياتي المفضلة في جميع الأفلام الوثائقية التي شاهدتها، وليس فقط لأنه شخصية غريبة - وهو كذلك بالفعل. تكاد تنسى إعاقته (وتدخينه وطقم أسنانه) وهو يتحرك باستمرار للقيام بكل أنواع المهام وتقديم كل ما تحتاجه هؤلاء الفتيات ذوات الأجساد السليمة، وعندما يتعلق الأمر بإبعاد المتنمرين ، تشمل المهام رمي الحجارة وإلقاء الشتائم، ولكن ليس وصلات البذاءة المتقنة التي يحتفظ بها للفتيات أنفسهن عندما تسيء إحداهن الأداء، أو يدمجها بسلاسة في خطاباته التحفيزية المرتجلة، أو في القصص التي ينسجها عندما يكون في مزاج جيد والجميع في حالة من الاسترخاء. إنه شخصية الأب التي تتوقعها بالضبط بقدر ما أنه أم. من الناحية الطبقية، هو لم يحاول أبدا أن يندمج في مجال الطبقة الوسطى المحافظة الذي يقدم الرجال ذوي المظهر اللائق الجديرين بالتلفزيون، والمحكّمين، والرجال الذين يرتدون البذلة والكرافتة في مقاعدهم الشبيهة بمنصات الاستعراض العسكري، أو الرجل الذي يرتدي بدلة تدريب رياضية ويأخذه بعيدا من ذراعه، مبتسما، بعد أن اقترب الكابتن رمضان أكثر من اللازم هاتفا هتافات التشجيع من النوع البلدي الذي عفا عليه الزمن من فم بلا أسنان (إصرار الترجمة الإنجليزية على متابعته عن كثب أمر مثير للإعجاب). أما من ناحية التاريخ الاجتماعي، فهو يبدو لنا مفارقة تاريخية تسير على قدمين، قادما مباشرة من مصر مضى زمنها بثقافة متقادمة وروح شعبية غير اعتذارية. ولكن الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو قيمه ومعتقداته وسلوكياته الجنوسية، التي تشاركها فيه وتسلك بناء عليها المراهقات والشابات من حوله، على الأخص عندما نتذكر أن هذا (أو هذا الفيلم الشجاع) يحدث في بيئة إعلامية صديقة للأسرة بشكل متزايد أو بشكل أعم في بلد تتوجه أجهزته الأيديولوجية بشكل متزايد نحو ما يسمى بـ "قيم الأسرة المصرية" ، التي تجرَّم وتعاقَب بسرعة أي أفعال أو تعبيرات تخرقها. تجلس هؤلاء الشابات القادمات من منطقة شعبية (بعضهن يرتدي حجابا ويخلعه من حين لآخر) في حجر المدرب لالتقاط صور ذاتية، ويأخذن معا عناقا جماعيا، ولن تشعر أبدا بتسرب عدم الارتياح الجسدي من النوع الشائع جدا في العالم المعاصر. في ظل المساواة الجنوسية عند الكابتن رمضان، يمكن للرجال أن يصبحوا راقصين شرقيين عظاما بينما يمكن للنساء أن يصبحن رافعات أثقال عظيمات دون أي متاعب. لكن هذه الروح لا تنجو دون شوائب عندما تخاطَب الفتيات في نهاية المطاف بصيغة المذكر، وكانت الواحدة منهن منذ البداية إلى النهاية تتوقع من الأخرى أن "تسترجل".

 

لنقطع على هالة. إنها ليست "أما جيدة" ، أليس كذلك؟ في فيلم بعلم الوصول (٢٠١٩)، الجارة هي التي تزرع بذور الشك الأولى لدينا، وهي ترجو هالة لاحقا بغلظة أن تكون زوجة أفضل وأن تقف إلى جانب زوجها. ومع ذلك، على الأقل ظاهريا، فهما صديقتان جيدتان وجارتان تعتنيان ببعضها البعض وبينهما اتفاقية عون متبادل غير مكتوبة من نوع ما، تتهم الجارة هالة في نقطة ما بخرقها. فهل هالة بهذا السوء والتمحور حول الذات؟ أم أنها تستحق تعاطفنا تماما بصفتها المرأة التي ينطق وجهها بالقلق والتوتر والإرهاق الشديد، والابنة التي تعاني عقليا وهي في حالة فقد وحداد على والدها، والأخت الكبرى المنهكة عاطفيا، والأم المصابة باكتئاب ما بعد الولادة وتشعر بالانفصال والجفاء نحو طفلتها، والزوجة التي يبدو أنها كانت لا تدعو زوجها إلى ممارسة الجنس أو تقبل دعوته إلا في مناسبات نادرة؟ هل يمكن أن تكون كلا الشخصين؟ هل تحتاج إلى الاعتراف بمعاناة النساء (والرجال) الآخرين ومحاولة القيام بشيء حيال ذلك، أو التخلص من أحزانها أو على الأقل دفنها في أحزانهم؟ يعتبر بعلم الوصول علامة مبكرة في السينما المصرية على ما قد يثبت في النهاية أنه نقلة أو تحول في كيفية تعامل الثقافة العربية مع الأمومة. كتاب إيمان مرسال القوي كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها، وهو مجموعة مقالات شخصية، قد يكون بمثابة الفصل الافتتاحي في مثل هذا التحول الثقافي.

 

تؤخذ فوضوية الصراع الجنوسي إلى مستويات مقلقة ومربكة في آدم (٢٠١٩). إذا كانت الدراما الاجتماعية المصرية تدور بشكل أساسي حول قدر آخذ في الازدياد من الاحتكاك الصامت في الغالب بين النساء، في حين أن الرجال طيبون ومتفهمون ومطيعون وغير مؤذيين بل وحتى ودعاء، فإن الدراما المغربية تضع اضطهاد المرأة في المقدمة على نحو يلح باستمرار في طرح سؤال من يضطهد من. في المخبز تعيّر النساء سامية بالعهر بعد أن يقدم لها الخباز كرسيا. نحن لا نرى أبدا الرجل الذي يفترض أنه "حبّلها" ولا نعرف عنه شيئا ولا نعرف حتى ما حدث. سيتذكر المشاهدون فيلم صوفيا (٢٠١٨، مريم بنمبارك)، وهو فيلم آخر تدور أحداثه في المغرب ويُمَشْكل بدوره روايات النساء والصراع بين الجنسين إذ يدور حول حالة حمل غير شرعي، مضيفا البعد الطبقي.

 

الحضور الخافت والخجول للرجال يكاد يبلغ حد الغياب في أكثر الأفلام القصيرة واقعية في هذا البرنامج، من يحرقن الليل (٢٠٢٠)، على نحو قد يظن المرء ملائما بما أن هذه هي المملكة العربية السعودية. تُحظر الصحراء العربية المترامية في الخارج على الفتاتين المحجوبتين بطريقة يمكن أن تفسر جزئيا سبب إنتاج هذه المنطقة تاريخيا عددا قليلا جدا من الشاعرات المعروفات مقارنة بعدد مبهر من فحول الشعر وفطاحله تعج قصائدهم بالمغامرات الليلية. تسمح الفراغات والسكتات والنزعة التقليلية بالتعبير عن طريق الحذف عن الكثير من التوتر المعقد في هذه الدراما المنزلية المشحونة الجارية في مكان واحد ويوم واحد والتي تكثف حدة الحالة الأختية الخاصة بـ"تحبني، لا تحبني" في بقية الأفلام. "النظرة الأنثوية" لسارة مسفر وجمالياتها الخاصة بالمساحة والمسافة تسير جنبا إلى جنب مع أخلاقياتها وسياسياتها الفنية: لا يُسمح لنا كمشاهدين بالاقتراب كثيرا حتى لإلقاء نظرة خاطفة على الندوب والحروق التي كلف المغنية إياها شغفها بالغناء على يد أخيها. إنه تذكير مؤلم بأن غناء أغاني الحب أو حتى الاستماع إليها هو حق ناضلت في سبيله النساء العربيات وما زلن يناضلن في سبيله ويَمُتن في سبيله، كما هو الحال في قصة عن الموسيقى وقتل النساء كجرائم شرف في فيلم محمد ملص العائد إلى عام ٢٠٠٥ باب المقام.

 

إن الطابع غير المستقيم أبدا لنضال النساء شيء تشترك جميع الأفلام في هذا البرنامج في عدم أخذه كشيء مسلّم به. ومن الطبيعي أن يقودنا هذا التركيز القيِّمي إلى الاعتقاد بأن هذا البرنامج يهتم بالنظام الأبوي كقوة غير مشخصَنة، وأنه تجربة في إلقاء نظرة أعمق على نحو سيتعذر عند تشتيت انتباهنا نحو الذكورية المبتذلة والذكوريين النمطيين المألوفين والعوالم المتمحورة حول الذكور، وهي طريقة تشبه "عزل المتغير" في المنهج العلمي. والفيلم القصير التالي يجعل هذا النهج القيِّمي أكثر وضوحا.

 

في كتابها ديالكتيك الجنس، تقول شولاميث فايرستون إن "النظام الأمومي هو مجرد مرحلة في الطريق إلى النظام الأبوي، إلى تحقيق الرجل الكامل لذاته. إنه ينتقل من عبادة الطبيعة عبر النساء إلى غزوها". الست (٢٠٢٠، أي المرأة والسيدة) هي هذه الطبيعة الأنثوية المعبودة. إنها متماهية مع الأرض والتراب والقطن الذي يرمز بدوره إلى بلدها المستعمر سابقا. ومع ذلك ، فإن "بؤس الإلهة [الذي] صوّره بشكل مثير للإعجاب فيلم ديفي العائد إلى عام ١٩٦٠ لساتياجيت راي" كما تلاحظ فايرستون، هو نفسه بؤس الست وبؤس حفيدتها، في معادل سوزانا ميرغني السوداني للأسطورة الهندية الحديثة. على الرغم من أن النظام الأمومي التاريخي الذي تناقشه وتنقده فايرستون ليس هو الشكل غير الميراثي الذي تصوره الست وتمارسه بوصفها ربة العائلة - لأن البنية الاستعارية للفيلم، وجوه الحلمي وأداؤه المسرحي يحافظ على جوهره الواقعي سليما - فإن هو على المحك يبقى هو نفسه: "على الرغم من أنه من الصحيح أن حظ المرأة ساء بقدر معتبر في ظل النظام الأبوي، إلا أن أحوالها لم تكن قد انصلحت أبدا؛ فعلى الرغم من كل الحنين إلى الماضي، ليس من الصعب إثبات أن النظام الأمومي لم يكن أبدا حلا لاضطهاد المرأة الأساسي."

تحولات خَيْمَريّة

في الفيلمين الأقل واقعية، تصبح الخرافات والأساطير القانون الذي تكتب بموجبه الشروط التعاقدية التخييلية مع المتلقي. ولكن حتى السياقات والعناصر المألوفة التي تعطي بنت وردان (٢٠٢٠) إطار اليومي العادي الذي يبدأ ما هو غير واقعي داخله في إثارة الفوضى والخراب، تشوهها ميساء المؤمن (طالع المقابلة) بعناية وبشكل يكاد يكون غير قابل للملاحظة باستخدام ما يمكن وصفه بالأخطاء المتعمدة، تلك الأشياء التي عادة ما يطلق عليها "غلطات إخراجية" لولا أنها مقصودة. إحدى نتائج هذا أنها دمجت وخلطت بين ما يمكن أن نفهم أنه القاهرة وبين مدن عربية أخرى غير مسماة. فجأة يتبين أن هذا الجو المألوف للغاية يحدث في مكان وهمي خيالي، كما لو كنا في أحد تلك الأحلام الصعبة لشبهها الشديد بالواقع، مما يضفي على المحتوى الكابوسي للفيلم قوة ورعبا إضافيين. ولكن على صعيد أكثر جدية، فإنه يصبح ما يسميه مارك أوغيه "اللامكان" الفائق الحداثة، والذي يعني كما يشرح مارك فيشر: "المطارات ومجمعات البيع بالتجزئة والمتاجر المتسلسلة التي تشبه بعضها البعض أكثر مما تشبه الحيزات المعينة التي توجد فيها، وانتشارها المنذر بالسوء هو العلامة الأكثر وضوحا على الانتشار الشرس للعولمة الرأسمالية."

 

لكن ما هذا الصرصور العملاق الذي لا يشبه سلوكه سلوك الصراصير؟ أهو هلوسات المرأة البصرية أم "كلبها الأسود"؟ رغباتها المكبوتة؟ حجة غيابها عن الوجود ومهربها منه؟ هذه المرة، في غياب بائع كافكا المتجول المتحول، ليست لدينا أدنى فكرة عما أو عمن يشمله هذا التحول أو الانمساخ أو التشكل الخيمري. فما الذي كان سيتغير لو صارت "المرأة" "الرجل"؟

 

على الرغم من أن التحول المذكور في العنوان في كيف تحولت جدتي إلى كرسي (٢٠٢٠) يشتمل بداهة على الشخص والشيء المذكورين أيضا، فليس من الدقة استخدام كلمة التشيؤ (بالمعنى الفلسفي) أو التشييئ (بالمعنى النسوي). من السهل فك شفرة هذه التحول كاستعارة مجازية عن الشيخوخة. لكن التحول الأكثر إثارة في هذه الدراما العائلية المظلمة والغريبة هي تحول آخر في اتجاهين يصعب تفسيره وينتهي بتحول قطة/امرأة قطة/مديرة منزل ومعتنية ترعى الجدة المحتضرة إلى إنسان، بينما تتحول ذريتها إلى ذئاب وذئبات أو مستذئبين ومستذئبات.

 

فيلما المؤمن ونيكولا فتوح هما من أحدث الإضافات إلى قائمة تطول من الأعمال المرئية، والسمعية البصرية، والأدبية، من العالم العربي، آخذة في الظهور على مدار العقد الماضي، وتبرز فيها هذه الثيمات الخيمرية أو الانمساخية، ومن بينها فإن فيلم مها مأمون عزيزي الحيوان (٢٠١٦) وفيلم ريش لعمر الزهيري (٢٠٢١) هما مجرد مثالين لا أكثر. لكي نحاول فهم هذه الظاهرة، سنحتاج إلى معاينة الاهتمام الإعلامي المتزايد بالحيوانات على الأقل في مصر والارتفاع غير المسبوق في تبني الحيوانات الأليفة الذي يقول الكاتب وعالم النفس شادي لويس إنه مفتوح على التفسير كأمر يعبر عن صعود اتجاه كاره للبشر أو توسع لسياسة إنسانية عربية جديدة تسحب الإنسانية على الحيوان وحقوقه.

"باتونس بيك"

إن اعتبار حيوان أو قطة أو حتى صرصور - أو أي شيء أو جماد أو أي شخص يقدم الصحبة والرفقة والأنس - فردا من العائلة، هو أحد المعاني المتعددة للنار في هذا البرنامج السينمائي. النار ليست الغضب الأنثوي فحسب. إنها أيضا دفء الاجتماع حول الحطب والنار والأمان والهداية التي تقدمها المشاعل لقافلة من المسافرين عبر ظلام الصحراء. النار التي يجب إعادة تعريفها وإعادة اكتشافها مع ذلك. الأسرة التي يجب إعادة اختراعها. ويمكننا التماسها والاهتداء إليها في المراسلات أو حتى في الرسائل المجهّلة.

 

هناك مشهد مؤثر في فيلم جاك ديمي الطويل الأول Lola والعائد إلى ١٩٦١، وفيه توصل المدام السيد كاسار إلى الباب وتودعه قائلة: "سنكون وحيدين بدونك." كانت لتوها وبالكاد قد تعرفت هي وابنتها المراهقة إلى الشاب. المشهد الأخير في فيلم آدم يردد صدى ذلك المشهد. لماذا يتعين على سامية الذهاب؟

 

* هذه نسخة مختصرة من مقال الكاتب بالإنجليزية *

 

 

مَ هُوجْلا-كَلْفَتْ (والمعرّف به سابقا باسم م.ف. كلفت) هو عامل/منتج ثقافي مقيم بالقاهرة، مصر. ترجم بين العربية والإنجليزية، وحرر تِرْسُو Terr.so، المجلة السينمائية الإلكترونية، وبرمج عروض أفلام وأدار نقاشات أفلام، وساهم في إصدارات. بمنحة كتابة من آفاق، يعمل هُوجْلا-كَلْفَتْ حاليا على كتاب بعنوان «تغطية العري»، والذي يحاول رسم خريطة لمواضع ورود وظهور الجسد البشري العاري والعُري والتعرّي والتعرية عبر متاهة من النصوص الأدبية، والخطابات، والمواد البصرية، والثقافات الشعبية، وخبرات الحياة اليومية، في مصر وخارجها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقال

رحلات ميساء المؤمن: مقابلة

مقابلة مع المخرجة ميساء ألمين حول فيلم "بنت وردان" الذي يُعرض ضمن برنامج الفيلم الصيفي "فاير ووك معها".

 

 

Read More

رحلات ميساء المؤمن: مقابلة

[هذه نسخة محررة من حوارات تبادلها المحاوِر مع الفنانة والمعمارية وصانعة الأفلام.]

 

مَ هُوجْلا-كَلْفَت: بنت وردان (٢٠٢٠) هو فيلمك الثاني، وقد سبقه في نفس العام كما يخبرني الإنترنت تأملات في الصحراء، ويليهما فيلم أحدث، ...راحوا وخلوني (٢٠٢١). كلها أفلام قصيرة. لقد انخرطت بهمة في صنع الأفلام بعد سنوات في التصميم المعماري، حيث يتخذ هذا الأخير شكل ممارسة فنية ومسار أكاديمي، ولكنه أيضا عمل ووظيفة. كيف حدثت هذا التطورات؟

 

ميساء المؤمن: للتوضيح فقط، تأملات في الصحراء كان عبارة عن فيلمين منفصلين صورتهما في ٢٠١٨ ثم أعدت توليفهما كفيلم واحد في ٢٠٢٠.

 

أنا بالقطع أجهز ممارستي لصنع الأفلام أي الأفلام الخاصة لتأخذ مكانها داخل ممارستي الفنية للتصميم، وقد كان تأملات في الصحراء محاولة لاستكشاف ذلك. تحدثت دائما مع توماس مودين، بصفتي شريكته في تعاونية تصميم، عن الرغبة في إيجاد أفلام للتصميم تماما كما توجد أفلام للموسيقى أو الطعام أو الملابس. الشكل الفيلمي وسيط يسهل الوصول إليه واستهلاكه، وهو وسيلة فعالة ويسيرة لعرض العمل تتجاوز تعقيدات المعارض الفنية. الكثير من عملنا التصميمي يخلق أفعالا طقسية أو شعائرية صغيرة ذات طابع شخصي، ولذا فإن نسج القصص والسرديات حول ما قد تمثله هذه الأفعال كان طريقة لإبداع سيناريوهات سينمائية. تكرمت ابنتانا بالمشاركة، واحدة أمام الكاميرا والأخرى خلف الكواليس، فإذن هذا الفيلم تحديدا يشارك فيه جميع أفراد الأسرة!

 

كما لاحظت أنت، فقد بدأت في صنع الأفلام في وقت متأخر نوعا من مسيرتي المهنية مقارنة بالعديد من صناع الأفلام. لطالما كان لدي اهتمام بالفيلم السينمائي لم يصل إلى غايته. وأنا طالبة تلقيت التشجيع على مشاهدة أفلام معينة أثناء دراستي للمعمار في المدرسة المعمارية التابعة للجمعية المعمارية، لكنني شعرت أحيانا أن المشاهدة أصبحت طريقتي للتسويف، فكنت أستأجر أكواما من الأفلام "الأجنبية" على بلوكبسترز بدلا من إضافة أعمال جديدة إلى ملفي الفني. كوني من عائلة مهندسين، كان في دراستي للمعمار ما فيه الكفاية من الانحراف، ولم أفكر مطلقا في صنع الأفلام كخيار مطروح.

 

من المؤكد أن الانتقال إلى قطر كان له دور فعال في إحياء اهتمامي بالأفلام، في ظل وجود مهرجان الأفلام السنوي ومؤسسة الدوحة للأفلام ككيان نشط في المجال الإبداعي. جعلني ذلك، إضافة إلى بلوغي منتصف الأربعينيات، حريصة على الإسراع في تعلم صنع الأفلام والبدء في التنفيذ.

 

في الفترة المؤدية إلى تلك المرحلة من رحلتي، بدأت أمثل في الأفلام القصيرة. انتهزت الفرصة لتعلم صنع الأفلام في مواقع التصوير ومراقبة العملية. لاحظت أنواع الأدوار المكتوبة لامرأة عربية في سني ولكن أيضا للنساء بشكل عام. عبرت عن أسفي ذات مرة لأن الأدوار المكتوبة لامرأة من أصولي العرقية وفي سني كانت تافهة كما وكيفا، فتحداني صديق لكتابة فيلم فيه دور من النوع الذي أحب أن أشاهده وألعبه. هذا هو النهج الذي أتبعه في أفلامي. هل تحتاج إلى أكثر من ظهوري في اثنين منها؟!

 

عندما أفكر في الأدوار التي كتبتها لشخصياتي، أتذكر حديثا مع صديق مخرج، فعندما ذكرت له أنني أخذت على عاتقي كتابة أدوار نسائية، متسائلة عما إذا كان بإمكاني تحدي نفسي لكتابة أدوار جيدة للرجال أيضا، فرد قائلا: "ما الداعي إلى تحديد الجنس الخاص بالدور مسبقا من الأصل؟ لم لا تقررين ذلك أثناء توجيه الدعوة لإسناد الأدوار عندما تجدين الشخص المناسب لتمثيل الدور؟ " في الواقع، أود أن أقول إن شخصيات أفلامي يمكن لأشخاص من أي جنس أن يلعبوها، وربما يكون هذا بيانا تحريضيا وهدميا بشأن الجنوسة في حد ذاته. ما زلت أرغب في كتابة نصوص سينمائية تكون شخصياتها المحورية لنساء، ولكن أود استكشاف هذا النهج أثناء توزيع الأدوار في يوم من الأيام

 

في الحقيقة، لقد تناول برنامج الأفلام الصيفي لمعرض ٤٢١ ما يسميه بعض المشاركين أفلام التصميم وقد ساهمتُ في ذلك بكتابة مقال يشير إلى جهود نقدية أخيرة نحو نوع فيلمي أكثر شمولا تُقترح تسميته الأفلام الإجرائية. إذا وضعنا في أذهاننا هذه الجوانب الخاصة بتداخل التخصصات والميديا العابرة للأنواع والوسائط، فهل يمكننا النظر إلى صنع الأفلام باعتباره أيضا أداة أكاديمية؟ من الجدير بالذكر أنك وسوزانا ميرغني، التي يشترك فيلمها الست في البرنامج الحالي  أيضا، قد تعاونتما. أنتما تشتركان هذا الجانب من ممارساتكما، من خلال امتلاك هذه الهوية المزدوجة أو لعب هذا الدور المزدوج، إن جاز التعبير، كصانعتي أفلام وأكاديميتين

 

نعم حقا، وأنا أرى بنت وردان كقطعة بحثية. إن الفيلم أداة متعددة الأغراض يمكن التوسع في استكشافها. لقد ذكرتَ أفلام التصميم والأفلام الإجرائية وما زالت هناك فسحة لأنواع فيلمية أخرى يمكن تطويرها في هذه الناحية.

 

إن سؤالك يذكرني بفيلم The Powers of Ten لتشارلز وراي إيمز. شاهدته لأول مرة في معرض بلندن عندما كنت في السابعة من عمري ولم أكن أتحدث الإنجليزية آنذاك ولم تكن لدي أي فكرة عما يقوله الراوي المعلق ولكني كنت مسحورة. في المرة التالية شاهدته بعد سنوات وأنا في السنة الأولى من دراسة المعمار. غضب مني مدرس لاستخدامي كلمتي "صغير" و"كبير" وأخبرني أن أشاهد هذا الفيلم قبل أن أستخدم هاتين الكلمتين.

 

أفكر أيضا في بيكا وليموين. فأفلامهما هي في الأساس دراسات معمارية من وجهة نظر شخصين يعرفان سياقا منزليا بعينه أفضل معرفة؛ على سبيل المثال في فيلم Koolhaas Houselife، حيث يقدَّم لنا منظور حميمي للمبنى من خلال تفاعلات مديرة المنزل.

 

لقد عملت مع قلة من طلاب التصميم على استخدام الأفلام كوسيلة لمسائلة قضايا التصميم، من خلال تقديم مقترحات لأفلام روائية والاستطلاع من خلالها، ما أدى إلى بعض النتائج المثيرة للاهتمام. ينسج بعض هذه الأفلام قصصا صغيرة تدور حول استخدام الأشياء أو الأغراض المادية، أو تخلق سيناريوهات تستكشف السياقات الاجتماعية وتأثيرات التقانات في السياقات الزمنية. الطريقة التي يسمح بها الشكل الفيلمي باستشراف الاحتمالات المستقبلية تجعله قالبا مثاليا للاستقصاء والتكهن

.

أنت إذن متعددة المشارب، في حين أن ٣ أو ٤ أفلام قصيرة صنعتيها تجلب معها هذا التعدد المميز في الأنماط أو الأشكال أو الأغراض أو الأنواع. يتحدى عملك أيضا التسميات والتوصيفات العادية الوطنية أو القومية الخاصة ببلد الإنتاج، إذ تنشطين بين أوروبا والعالم العربي، كونك كويتية مقيمة في قطر وكون أحد أفلامك (الفيلم الذي نعرضه ونناقشه اليوم) مصنفا على أنه قطري-كويتي، على نحو يكاد يكون مضللا على الأقل للعديد من المشاهدين العرب الذين سيفاجَأون بمشاهدة ما يبدو فيلما مصريا. كيف تفسرين اختيار تصوير هذا الفيلم في مصر (أو بشكل أكثر دقة - لأننا كمشاهدين لا نعرف حقا - بممثلين مصريين في ما يشبه مكان عمل في القاهرة)؟ يمكن للمرء بسهولة أن يظن فيلمك يدور في عاصمة عربية أخرى، مما يجعل المرء يفكر أيضا في المدى الذي وصلت إليه العولمة النيوليبرالية عندما يتعلق الأمر بالثقافة الشركاتية، وتصميم مكان العمل، إلخ.

 

أنت تطرح نقطة جيدة. سألت نفسي هذه الأسئلة ذاتها قبل تصوير هذا الفيلم. تقنيا، تُعرَّف بلد الإنتاج في صناعة الأفلام بأنها البلد مصدر التمويل، بغض النظر عن مواقع التصوير أو محتوى الفيلم. أود أيضا أن أشير إلى أنني عندما تسمح لي المهرجانات بتضمين ما يصل إلى ثلاث بلدان إنتاج، فأنا أذكر دائما مصر بوصفها بلد الإنتاج الثالثة، تقديرا للمكان الذي صورت فيه الفيلم وأظهر فيه العديد من الأصدقاء وأعضاء الفريق كرمهم، ومثال على ذلك مساهمة صديق بأحد المواقع (شقة خاصة) وتغطية آخر لبعض المصاريف الإضافية من أتعابه الخاصة.

 

أثناء مرحلة ما قبل الإنتاج، درست خيار التصوير في قطر ولعب الدور الرئيسي بنفسي. لكن عدة أسباب وجيهة رجحت التصوير في القاهرة. قبل قدوم جائحة الكوفيد-١٩ قضيت الكثير من الوقت في القاهرة للمشاركة في العديد من ورش العمل الإبداعية والتعاونات. على مدار ثلاث سنوات كنت أزور المدينة ثلاث أو أربع مرات في السنة على الأقل. كتبت السيناريو في أمسيات فراغي أثناء وجودي هناك. حضرت ورشة عمل مع أيمن الأمير لتطوير السيناريو هناك. وفي وقت أبكر، أثناء العمل في عدد من مواقع التصوير في قطر، سواء من أجل أفلامي الخاصة أو أفلام الآخرين، كان بعض أفراد طاقمي من المصريين قد عادوا إلى القاهرة. المصور السينمائي الذي عملت معه في مشاريعي السابقة هو مصطفى الششتاوي. وأنا أحب شغله وكنت أعرف أنني أرغب في العمل معه مرة أخرى، وكان قد عاد إلى القاهرة آنذاك. هناك أيضا إيمان ميرغني التي شاركتني في إنتاج الفيلم وتعيش في قطر ولكنها سودانية مصرية. كان من الأسهل أخذ الفيلم إلى طاقمي بدلا من إحضار طاقمي إلى الفيلم.

 

أدركت في النهاية أنني لم أعد أرغب في التمثيل في الفيلم، وقررت أن أركز تماما على الإخراج وأنا في الموقع. جعلني هذا أسأل نفسي: ما الذي يجعل هذا فيلما كويتيا إذن؟

 

وهنا تأتي العولمة النيوليبرالية التي أشرت أنت إليها. كيف لنا أن نعلم علم اليقين في أي مدينة عربية صُوِّر الفيلم؟ لقد قضيت بضع سنوات في العمل في الكويت، وكنت الكويتية الوحيدة في اثنين من المكاتب الثلاثة التي عملت فيها. وهكذا ففي الحقيقة هذا الفيلم أقرب بكثير من تمثيل مكتب في مدينة الكويت من الفيلم الذي كنت أفكر فيه في البداية.

 

والفيلم نفسه يغمز باتجاه سؤال السياق المكاني وسؤال الجنسية من خلال مفاتيح تركتها داخل الصورة. أسماء الشركات المتعاقد معها والتي يذكرها المدير وأسماء المطاعم التي تذكرها الزميلة كلها أسماء أماكن فعلية في الكويت.

 

ظهوري في الخلفية كموظفة في المكتب هو غمزة أخرى لذلك في فيلمي. معلومة مسلية أيضا: زوجي يتحدث السويدية، واسم هذه الشركة الوهمية في الفيلم هو Fjaril & Co. وكلمة "Fjäril" تعني الفراشة باللغة السويدية. إنها حشرة جميلة في مواجهة الصرصور البغيض. أبدع تصميم المكتب مصمم الإنتاج المذهل أحمد سعد الدين، الذي خلق من العدم ذلك المكتب بما في ذلك العلامات التجارية التفصيلية لجميع الأشياء الموجودة فيه، صانعا تلك البيئة البراقة والحية كنقيض لمنزل المرأة الصامت الداكن.

 

جوهريا، صنعت كولاجا مكونا من مدينتين، مدينة أُرى بصفتي أنتمي إليها ومدينة أحبها وأمضيت الكثير من الوقت فيها.

 

هناك عدسة أخرى يضيفها بنت وردان إلى العدسات المتعددة التي تحضرينها إلى صنع الأفلام، وهي تتعلق بشخصية العنوان (الأقل صمتا) والمشاركة مناصفة في بطولته، وهي جزئيا جماد، وجزئيا كائن حي حقيقي، صرصور (العديد من الصراصير في الواقع ). والحال أن "بنت وردان" هو واحد من العديد من الكنى في اللغة العربية للحيوانات والطيور والحشرات، والتي تؤنسنها على نحو شبيه بتراث قصص الحيوان المتكلم. في العادة نقول "صرصور" أو "صرصار". من ناحية إذن، في الفيلم بالضرورة لمسة من علم الحشرات (على طريقة بونيويل)، مع لمحة واضحة من كافكا. بعد مائة عام من قصة كافكا الشهيرة، تستيقظ المرأة العاملة في فيلمك لا لتجد نفسها قد تحولت إلى حشرة عملاقة، وإنما لتجد نفسها حرفيا معه في السرير (وهنا، يمكنني أن أرى فرويد ينضم إلينا). بينما يرتبط كافكا بالأمثولات الرمزية والعبثية والحداثة وهمومها، يمكن وضع بنت وردان في سياق ما بعد الحداثة والانعطافة ما بعد الإنسانية.

 

تماما! أود أيضا أن أضيف شارل بودلير (والعنوان الفرنسي "J'ai le Cafard" تعبير صكه هو) وكذلك برونو شولتس.

 

هذا الفيلم نوع من شبه السيرة الذاتية. منذ سنوات عديدة كنت أعمل في وسط خاص بالشركات الكبيرة، وأشعر بالفراغ وعدم التحقق، وذلك عندما التقيت بصرصور يحتضر في حمام المكتب، منقلبا على ظهره ومرعشا سيقانه في الهواء. أسفت له ولنفسي في آن معا، وانتظرت أن تأخذ الطبيعة مجراها وتنقذه من بؤسه بدلا من التدخل والتصرف بنفسي بأن أساعده على النهوض أو أقتله وأريحه.

 

بعد سنوات وأنا أدرس فكرة كتابة هذا السيناريو، تأملت تلك اللحظة وخيل لي أنها كانت في الواقع تنطوي على شعور بالتضامن مع هذا الصرصور نظرا لما في مواقفينا من بؤس مشترك بنفس القدر، بأننا كنا في قارب واحد. ساعدني هذا على إخراج مشاعري الباطنية وحالتي الذهنية.

 

أنا واعية للغاية بالتداعيات الكافكاوية، لذا قررت أن آخذ الإحالات والإشارات إلى أقصى مداها. في لقطات نزول الأسماء والعناوين، هناك على المنضدة كتاب لم تكتمل قراءته، هو The Streets of Crocodiles لبرونو شولتس، وهو كاتب قورن مرارا وتكرارا بكافكا. ترد في الكتاب قصة حول ثيمة التحول من إنسان إلى حيوان، وفيها يهرب الأب من النساء المتسلطات بالتحول إلى حشرة ويختفي في شقوق الجدار.

 

يترجَم التعبير الفرنسي "avoir le cafard" حرفيا إلى "أن تملك/يكون لديك الصرصور" ويعني الشعور بالاكتئاب أو الحزن، وهذا هو الأساس العام للفيلم. دفعتني الكتابة إلى الحفر أكثر وراء التعبير، فعلمت أن كلمة "cafard" قد يكون لها أصل عربي في كلمة "كافر". وعادت هذه المعرفة بدورها لتغذي التفكير في دافع المرأة وراء التماسها العزاء في هذه الصداقة الغريبة، وفي انفصالها الشعوري عن محيطها، وفي كيف تشعر، وكيف تتواصل مع اكتئابها إذ يتجسد في شكل صرصور عملاق.

 

بالمناسبة، لقد صنعت ذلك الصرصور العملاق بيدي العاريتين! شحنت الصرصور في هيئة قطع وجمّعه الموهوب محمد الفخراني، وهو نحات بارز وفنان مؤثرات خاصة كنت قد التقيت به عندما شاركت في ورشة لصب السيليكون في القاهرة

 

توفيق الحكيم هو مؤلف آخر ذكرني به فيلمك، ومسرحيته مصير صرصار تتجاوز ما هو خرافي وعبثي إلى مقاربة وجودية للوضع الإنساني مع تشديد على صراع السلطة والجنسين في سياق منزلي. لكن بالعودة إلى "J'ai le cafard" ، التعبير المنسوب إلى بودلير، فأنا أجده مثيرا، لأن هذا أيضا هو الكاتب الذي اشتهر بتكريس السأم ومفاهيم أخرى متقاربة كحساسيات أدبية، محولا إياها من مجرد تنويعات خاصة بالقرن التاسع عشر للملل والسوداوية إلى قوى إبداعية عارمة. ولكن إذا كانت استجابته هو ورفاقه المثقفين من الطبقات العليا على هذه الحالة تتمثل في التصعلك، فإن المصاب بهذه الحالة في فيلمك امرأة عاملة مكتئبة في القرن الحادي والعشرين في العالم الثالث. هذا التناص يضع العمل مقابل الفراغ، والذكر مقابل الأنثى، والشرق مقابل الغرب، وعصرا حديثا مقابل آخر. أم أنني أفرط في التحليل؟

 

باستخدامي عناصر مجازية وفانتازية في فيلمي فأنا أدعو الناس إلى تفسير الفيلم وأتوقع منهم ذلك، وسيكون هذا حتما عملا ذاتيا. أنا بالتأكيد لدي ما أدلو به في هذا الشأن، لكن ما هو أكثر إثارة لاهتمامي أن أرى ماذا سيرى الآخرون كما بينت أنت. تحليلك (المفرط) يَصدُق فعلا على القضايا العميقة التي أتصدى لها ولكن الفيلم لا يقدم بيانا نهائيا جامعا.

 

يلعب سياق الشركة بالفعل دورا، لكنه بالنسبة لي يضع النجاح في مقابل التحقق، والتوقع مقابل الرغبة.

 

وأنت على حق. أعرض الشخصية الرئيسية عمدا كامرأة عزباء، ولا أذكر ماضيا رومانسيا أو أشخاصا تعيلهم أو أي علاقات. إنها تبدو ناجحة نسبيا ومقدَّرة. أردت أن أختزل الموقف إلى امرأة تتعامل مع اكتئابها واللحظات التي تدفعها إلى ممارسة أهليتها وفاعليتها للتعامل مع وضعها. كل ما عدا ذلك هو مساحات فارغة تستدعي ملأها

 

برنامج الأفلام الحالي، يا نار رافقيها، يضع فيلمك (حيث التورية في كلمة "بنت" في العنوان مقصودة حتما) في سياق أفلام عربية جديدة موضوعها المرأة، العربية في هذه الحالة. يتناول الفيلمان داخل فيلمك ذي الدفتين تأملات في الصحراء العلاقة بين الأم وابنتها، والمرأة في مواجهة السلطة بمعانيها المختلفة. هل هذا مشروع نسوي في شكل أفلام؟ وكيف تنسجم رغبتك في كتابة أدوار مرنة جنوسيا في هذا الجهد؟ أود منك أيضا أن تلقي بعض الضوء على تجربتك في توجيه الممثلات/الممثلين باعتبارك أنت نفسك ممثلة (في فيلم Falling Leaves تلعبين دور أم ميتة يحنطها ابنها وابنتها!)

 

كما سبق أن ذكرت، أردت أن أكتب أفلاما بأدوار للنساء ليست مجرد أدوارا ثانوية أو تكميلية، من خلال نظرة أنثوية، إن جاز التعبير، وبطبيعة الحال، فلا بد لهذا أن يكون تمرينا في سرد نسوي للقصص. من خلال سرديات مختلفة، تبرز أفلامي لمحات صغيرة من الصراع بين الجنسين والنضال والإحباط الأنثويين.

 

فكرة كتابة أدوار مرنة جنوسيا فكرة تثيرني، على الرغم من إدراكي أنني، من الناحية الواقعية، ونظرا لأن الامتثال الجنوسي لن يختفي في أي مكان قريبا، يجب أن أتخلى عن التحكم في السرد وأسمح للفيلم بتكوين اتجاهه السردي الخاص. قد يكون تجربة مثيرة للاهتمام تصوير بعض اللقطات المختلفة بهويات جنسية مختلفة للأدوار نفسها في كل مرة. عندما أرى ذلك مرئيا في خيالي مطبقا على الأفلام التي صنعتها بالفعل، يمكنني أن أتخيل نتائج مختلفة جدا ولكن ربما نتائج متشابهة أيضا، اعتمادا على أداء الممثلين.

 

منذ عدة سنوات، كان من حسن حظي أن يوجهني في التمثيل إسكندر قبطي، كما تلقيت التوجيه على يد دانييل سويسا لفترة وجيزة جدا. لقد تعلمت منهما الكثير عن كيف أوجه الممثلين وكيف يكون الأداء أمام الكاميرا بشكل عام. كنت أمزح أحيانا قائلة إنني انضممت إلى ورش عمل للتمثيل جراء أزمة منتصف عمر الإبداعية! كنت أنوي التعرف على صنع الأفلام ولكن في ذلك الوقت لم تكن هناك برامج حسنة التنظيم حولي تخص صنع الأفلام القصيرة. لقد عَقْلَنْتُ الأمر ومَنْطَقْتُه قائلة لنفسي إن تعلم التمثيل هو مثل الهندسة العكسية بالنسبة إلى تعلم الإخراج. واقع الأمر أن لديك كممثل فرص للمشاركة في المشاريع أكثر من فرصك للمشاركة كمخرج. كممثلة، راقبت العديد من الأفلام وهي تُصنَع وتُنتَج وخبايا مواقع التصوير. على هذا النحو أيضا تعلمت توجيه الممثلين بشكل أكثر فعالية.

 

بالنسبة إلى التمثيل في Falling Leaves، كان ذلك أحد أدواري المفضلة! اعتدت أن أمثل لصانعي الأفلام في أعمالهم الأولى ولطلاب الأفلام كطريقة لدعم صناعة السينما الناشئة هنا في قطر دعما فعالا بصفتي جزءا منها. ديميتري يوري، مخرج الفيلم والممثل فيه، خريج الجامعة التي أعمل فيها وأنا أحب سيناريوهاته. مع تحول تركيزي إلى صنع الأفلام، صرت أرفض أدوارا أكثر من ذي قبل. أيضا، كلما تقدمت في السن كلما قلّت الأدوار التي يمكن أن أؤديها كامرأة عربية في منتصف العمر، هذا إن وُجدت. لذا فمع نص كالذي كتبه ديمتري، عرفت أنني أريد حقا أن أكون جزءا منه. ما كنت لألعب هذا الدور تحديدا مع أي مخرج آخر. قال صديق لي مازحا ذات مرة إن الأدوار التي لعبتُها في السابق كانت إما لامرأة تبكي أو تحتضر، لذا كان هذا السيناريو يناسبني تماما.

 

مَ هُوجْلا-كَلْفَتْ (والمعرّف به سابقا باسم م.ف. كلفت) هو عامل/منتج ثقافي مقيم بالقاهرة، مصر. ترجم بين العربية والإنجليزية، وحرر تِرْسُو Terr.so، المجلة السينمائية الإلكترونية، وبرمج عروض أفلام وأدار نقاشات أفلام، وساهم في إصدارات. بمنحة كتابة من آفاق، يعمل هُوجْلا-كَلْفَتْ حاليا على كتاب بعنوان «تغطية العري»، والذي يحاول رسم خريطة لمواضع ورود وظهور الجسد البشري العاري والعُري والتعرّي والتعرية عبر متاهة من النصوص الأدبية، والخطابات، والمواد البصرية، والثقافات الشعبية، وخبرات الحياة اليومية، في مصر وخارجها.