هذا المقال ليس في حقيقته تجاوباً مباشراً مع المعرض المقام في معرض421، ولا هو بردٍ مباشر على مقالي مجلة Gazelle أو صحيفة The National، أو على الحوارات التي جرت معي. هو مقال يطرح مجموعة من الأفكار رداً على كل هذه الآراء والحوارات والاتفاقات والاختلافات. وفيه قد لا أجيب على أي من الأسئلة بشكل مباشر، أو لا أجيب عنها على الإطلاق، لكنني آمل أن أشارك في حوار مستمر، ربما يكشف عن نفسي قليلاً ويمنحني فرصة التعرف عليكم من خلاله، وأن يتيح لنا إمكانية التغيير حيثما سار بنا الطريق، كما هي الطبيعة التراكمية للمعرفة.
مؤخراً، كنت في اليونان حيث قمت بزيارة الموقع الذي أقيمت فيه أول ألعاب أولمبية، في القرن الثامن قبل الميلاد. وبالمقارنة بالإقبال على المواقع الأثرية الأخرى في أثينا، فإن هذا المكان لم يحظى بالاهتمام المطلوب، وليس فيه من مستلزمات السياحة الكثير بخلاف متحف صغير وعدد قليل من الأكشاك وحبال صغيرة ممدودة تنبهك إلى البقاء بعيدًا عن الآثار. كان أول ما خطر لي عند رؤية الموقع هو التساؤل عن سبب عدم القيام بتطويره؛ ألا يفخرون بكونهم رواد الألعاب الأولمبية؟ ثم سرعان ما تغيرت أفكاري، وأعجبت جداً بهذه الحقيقة! فلا يوجد زحام، ويمكنك التجول بمفردك بأقل قدر من إزعاج اللافتات . لا أحد ملزم بارتداء سماعات ليستمع إلى أوامر بأماكن الوقوف وما الذي يجب أن تنظر إليه، وأفضل أماكن التقاط الصور، برغم أنها جميعاً تبدو لي متشابهة.
احتجنا حينها إلى دخول الحمام الذي كان بسيطاً للغاية بعتبة كبيرة يصعب على الجميع المرور منها.
هذه المسألة التي تتعلق بالتدخلات هي أمر يشغلني طوال الوقت. متى يجب أن يتدخل المرء؟ متى يكون التدخل اقتحاماً؟ وإذا لم نتدخل، فهل سيتدهور الأمر؟ هل يمكن الوثوق بإيكال هذا الأمر للعامة أم أننا نخاطر بإساءة استخدامه؟ هل نكون أمام مأساة المشاع أم كوميدية المشاع، ومن الذي يحدد ذلك؟
لا يمكن للمرء أن يأخذ أجازة من التاريخ.
تدفعني زيارة الأماكن التاريخية دائمًا إلى تخيل ما كان عليه الحال في تلك العصور. نحاول أن نفهم طبيعة الحياة في اليونان القديمة من خلال النظر إلى السياق الذي جرت فيه وليس من خلال أطر مفاهيمية وضعت في قرون لاحقة. وربما يكون هذا مفيدًا إن كنا نريد فهم حياة اليونان القديمة، ولكن إذا كنا مهتمين بفهم معارف اليوم وكيف نشأت من ذلك الماضي، فعندئذ تكون هذه العلاقة بين الماضي والحاضر هي الأهم بالتحديد.
ما يتضح لي هو أننا نرى الماضي منفصلاً عن حاضرنا، وأنه بالتأكيد عالم بعيد عن مستقبلنا. نحن نتحدث عن انقسامات وانشقاقات في المجتمع، وعن تطور المعرفة والفهم حيث يتم التخلي عن نظرية قديمة من أجل تبني نظرية جديدة. غير أنني أؤمن بارتباط هذا بذاك. وأعتقد أن التطور يلحق بالمعتقدات والثقافات والشعوب. وأعتقد أن الحدود في الحياة الواقعية مخترقة إلى حد بعيد؛ بين المعتقدات والنظريات والتخصصات والثقافات والشعوب. كما أؤمن بأن معرفتنا هي نتاج التطور المستمر لشبكة التفاعل الإنساني المكثف هذه.
أنا الآن منغمس في تاريخ اليونان ومعارفها وثقافتها وناسها ومعتقداتها. إرث ثقافي غني، لكني أرى فيه أشياء كثيرة، وتأثيرات كبيرة من ثقافات ومعتقدات وشعوب أخرى. أرى جوانب من الثقافات الهندية والفارسية والعربية، وأشهد تأثيرات من الثقافة الأمريكية المعاصرة، وألحظ كيف قاموا بتكييف اللافتات الإعلانية والمنتجات ليتفاعل معها أهل اليونان، وأرى أيضاً أنهم غيروا في كل ذلك ليضمنوا تفاعل السياح. وألاحظ هذا بشكل خاص في الطعام واللغة؛ ربما لأنني مهتم بذلك، لذا فإن نظراتي للطعام وتحيزاتي بشأنه تكشف لي عن أشياء مختلفة. تتميز السلطة اليونانية بملح أقل بكثير عنها في أماكن أخرى؛ لاحظت أن الشيف يعتمد على الحبوب المحلية التقليدية، بينما يضيف الزعتر وهو من مكان آخر. واعتبر أن هذا الاستكشاف المستمر لكل ما هو جديد في طور تغير مستمر.
ويبدو أننا ننسى الجوانب التراكمية للمعرفة؛ أنها ليست معزولة أو منفصلة، ولكنها عمليات تجاوب مركبة ومعقدة تتعلق بالعلاقة بين الشعوب. ومن خلال هذه التفاعلات المتكررة بين الناس، نرى أنماط علاقات القوة والأيديولوجيات أساساً لخطط ونوايا الأفراد.
فلا يوجد شيء اسمه مشكلة ذات جانب واحد لأننا لا نعيش حياة أحادية الجانب. ويكمن التحدي في التمسك بالتعقيد بدلاً من البحث عن تفسيرات مبسطة، وفي عدم اختزال الأعمال، وخاصة الفنية منها، في أشياء وسلع، متناسين أنها في صميم نتائج التجارب البشرية المعاشة.
بوصفنا متلقين، فإننا بدورنا ننهض بدور في قراءة وتأويل الفنون. يعمل الفنان من خلال إمعان النظر ملياً وجدياً في شيء ما، ومن ثم العمل طويلًا وجدياً حتى يقدم لنا حكايته الخاصة بشأن ما رآه. وهي حقيقة تطرح عددًا من الأسئلة، خاصة فيما يتعلق بالنظرة والنماذج الذهنية والأحكام المسبقة التي يستحضرها الفنان في تلك النظرة. وهم في خضم عملهم يكشفون لنا عما يرونه وكذلك يبوحون لنا بشيء من مكنون أنفسهم.
يسري الأمر ذاته على الجمهور المتلقي. يجادل كثيرون بأن الجمهور هو من يبث روح الحياة في العمل الفني، وأن تعاطف الرائي وتماهيه هو الذي ينشط العمل الفني ويعيده إلى الحياة، حرفيًا. ولذلك أصبح لزاماً على المتلقي أن يمعن النظر ملياً وبجد، مع كبح جماح روح الاستخفاف فيهم ومحاولة أن يروا ما يراه الفنان. أن نجود بنظراتنا وبكل سخاء. كما ينطوي الأمر على ما يتجاوز مجرد القدرة على ملاحظة التفاصيل باهتمام كبير، نحو القدرة على تبين مواطن الجمال. فلا يقتصر تطبيق أخلاقيات الجمال على الفنان وحده، بل أن الرائي شريك أصيل في التجربة.
ولو تحدثت عن المنظور التأويلي، فإنني أنبه إلى أن لكل منا نظرته المختلفة وفهمه المغاير للأشياء. قد يظهر عمل قاسي الطابع في أعين البعض، بينما هو عمل تطهيري في أعين آخرين. وغالبًا ما تتعايش وجهات النظر المتناقضة فوق أرضية واحدة. إن الصنع والإبداع هو نتاج التفكيك والتدمير. ومن الصعب على الإنسان أن يحول كل شيء إلى مثال. حتى العدالة ذاتها فيها قصور ومشاكل. ويطيب لي هنا أن أعيد صياغة مقولة شهيرة للفيلسوف أشعيا برلين، فأقول بأن "العدالة للذئاب تعني أحياناً موت الخراف".
ينصب عملي على بنية بسيطة، متمثلة في "ما الذي أحتاج إلى معرفته وما الذي عليّ القيام به وإلى ماذا أطمح". ووجدت أننا ضللنا الطريق إلى هذا المسعى الأخير (الأمل) في خضم عالم تحركه البيانات. الأمل ركيزة الحياة. والنقد الخالي من الأمل هو نقد رتيب فظ بصبغة وعظية تلقينية. كما أن الأمل من دون نقد أعمى ضال. هل آمل ألا نغفل عن جوهر الغرض من معرض "ميناء زايد"؟ كلا، البتة. هل آمل أن تأتي النيران على المزيد من المباني؟ بالطبع لا. هل أعتقد أن من الضروري القيام بفعل ما؟ أبداً. هل أتمنى أن يخاطب مشاعر الناس؟ بكل تأكيد. أعلم أن لكل فعل تفاعل، ولذا من المهم أن تجد أصواتنا آذاناً صاغية، وأن تُسمع بطريقة تدفعنا للمضي قدمًا؛ بطريقة تتفاعل فيها ثقافات ومعتقدات وأيديولوجيات.. بطريقة تستحث أفكاراً واستراتيجيات ومقاصد.
إن الحوار مطلوب، بل هو ضرورة بين الثقافات والتخصصات والبشر والمعتقدات.
طالما كان الحوار.. طالما كان الأمل.
بارديب شارما
28 يونيو 2021
