حول قصة "الرسالة المسروقة": رسالة من محمد خالد

بقلم ماهناز فانسي


vml-1475-64c9ffb0b23dc.JPG (original)

 

يقدم 421 في الفترة من 9 أكتوبر إلى 25 ديسمبر 2022 أول معرض فردي مؤسسي لأعمال الفنان الصاعد محمد خالد الذي نشأ وترعرع في دبي. 

يتكون المعرض ذو العنوان المثير للاهتمام "خلني أقلك شي" من مجموعة متصلة بشكل فضفاض من سبعة تكليفات جديدة عبر تشكيلات فنية متعددة تضم تركيباتٍ وتصويراً فوتوغرافياً وسلسلة من مطبوعات السيانوتايب، إضافة إلى أعمال فنية أخرى على الورق. 

 

يقدم محمد خالد نفسه عبر هذا المعرض متعدد الطبقات في حلقات منفصلة تلخص انطباعاته الحياتية. وتعبّر المعروضات عن نفسها بأساليب ومستويات وطبقات لغوية متعددة، فتُعرَض تشكيلات فنية تبدو واضحة لأشياء حياتية بسيطة ومكونات أساسية، لكنها تقاوم يُسر القراءة وتجعل تفسير المعروض أكثر صعوبة، حيث تعكس المعروضات ثقافة الألفية في شكل مجموعة صور سيلفي من إنستغرام، وهو ما قد يُفسَّر مبدئياً على أنه شكل مختلف من أشكال ميمات القطط. لذلك يجب على المشاهد أن يعمل على فكّ شفرة الألغاز الفنية فائقة الدقة والإتقان (إضافة إلى بعض الإشارات التوجيهية الخاطئة المُتَعَمَّدة) التي خلَّفها الفنان في سعيه لإدراك ما يرغب في إخبارنا به. 

 

يصادف المشاهد بمجرد دخوله المعرض العمل التركيبي "الحقيبة"، 2022، والذي يتجسد في حقيبة سفر "موجي" فيها محتويات شخصية غير لافتة للنظر - وهي نسخة طبق الأصل من الحقيبة التي فقدها خالد أثناء رحلته عام 2019 من البندقية إلى نيس، حينما حصل على منحة تدريب في مجموعة بيغي غوغنهايم المرموقة. تتناقض هذه الحقيقة الأخيرة مع الطريقة التي يبدو أن الفنان يصوِّر بها نفسه ويحدد مركزه في عالم الفن الذي كان غريباً إلى حد ما عنه، كفنان علَّم نفسه بنفسه. ما الذي يحاول خالد إخبارنا به عن تجربة الخسارة أثناء مغامرته الكبرى (التي أخطأت المسار) نحو التطوير المهني والشخصي؟ 

 

ينقطع تسلسل تأملات المُشاهد عبر إحساسه بالضياع في معرض لا يقدم علاماتٍ لاتجاهات واضحة تدل المشاهد على مكان العمل الذي يجب أن يشاهده بعد ذلك. وتبدو الأمور على غير ما هي عليه في الواقع، فهل الفنان راوٍ موثوق؟ يبحث المشاهد في مجموعة أدواته النظرية النقدية، وينتزع إحدى الأدوات المُفضلة لديه: "ندوة حول الرسالة المسروقة" (Le Seminaire sure la Lettre volée) لجاك لاكان عام 1955، التي يستخدمها المشاهد كعدسة للتنقيب في أعمال المعرض، وهي لا تختلف عن العدسة التي كان يستخدمها المحقق الهاوي وسط أحداث قصة إدغار آلان بو القصيرة - "الرسالة المسروقة".

 

في معرض "خلني أقلك شي" تبدو الأعمال المتناقضةً في مظهرها متصلةً في معناها عبر عمل فني شبيه بتركيب رايات أعلام مكونة من قطع قماش بمقاس A4، والتي جرت معالجتها بالسيانوتايب، حيث نراها متعرجة على مستوى النظر عبر مساحة العرض، في تمثيل مادي لمقاومة المعرض ليُسر القراءة الخطية المتسلسلة لمعروضاته. 

 

يدور العمل الفني "خلال ساعات العمل"، 2022، حول فكرة إنتاج أعمال فنية أثناء ساعات العمل، حيث يتحدث الفنان إلينا مباشرة من خلال عبارات، مثل: "الشعور بأنني محتجز كرهينة أثناء ساعات العمل"، "التفكير في مكان ما خلال ساعات العمل"، "كلمات على طرف لساني خلال ساعات العمل". ربما يشير خالد إلى نظرية ماركس عن اغتراب العامل عن نتاج عمله أو الاغتراب الوجودي لحياة العمل المكتبية المعاصرة في عصر جائحة كوفيد-19 التي يُطلق عليها حركة "الاستقالات الكبرى"، فهل يودُّ عبر هذه الإشارات أن يخبرنا فقط عن صراعاته المهنية في محاولة منه للاستقلال داخل حيز فراغ خاص به يزاول فيه فنه؟ عموماً، هناك تقليد يعتز به الفنانون الذين يدعمون أنفسهم ويزاولون الفن كمهنة، ويزعم خالد بكل وضوح أن العبارة التعريفية في سيرته الذاتية التي تمثل أصله ونسبه على منصة لينكد إن تنص على أنه "فنان يعمل في الفن كمهنة عبر أكثر من اختصاص، وأنه مساعد فنان، ومساعد معرض، ومعالج أعمال فنية... وغير ذلك". 

 

vml-1482-64c9ffc137c10.JPG (original)

 

لكن أصداء ندوة جاك لاكان توحي بأن هذا هو مفتاح لغز الأساس المفاهيمي لمزاولته الفن كما جاء في نظرية لاكان التي أكدت أن الفنان يكون في جوهره مغترباً عن الرمز (أي اللغة) ومحكوماً عليه بكثرة التكرار والإعادة ليؤدي دوراً في دائرة هذا المنطق. في ندوته الشهيرة التي أشرنا إليها، يقول جاك لاكان: "يهدف الدرس المستفاد من هذه الندوة إلى التأكيد على أن هذه الأحداث الخيالية - بعيداً عن كونها تمثيلاً لجوهر تجربتنا - تكشف فقط عن جزء فيها يظل في حد ذاته غير متسق معها ما لم يكن مرتبطاً بالسلسلة الرمزية التي تربط حلقات هذه التجربة وتوجهها معاً" - (ترجمة جيفري ميلمان في مجلة ييل للدراسات الفرنسية 48، 1972). بعد إحساسه بثقة متجددة في اختياره أدوات التحليل والخروج بنماذج نمطية كنتاج لمهمته المتمثلة في فك رموز شفرة ما يصبو الفنان إلى التعبير عنه، يواصل المشاهد طريقه في متابعة العمل الفني "خلال ساعات العمل"، 2022 بوصفه مفتاحاً محتملاً قد يُمكّنه من فك شفرة المنطق الداخلي للمعرض وسلسلته الرمزية (ما الذي يريد أن يطلعنا عليه؟). 

 

 

vml-1481-64c9ffb88560a.JPG (original)

 

 

بعد مشاهدة رسائل السيانوتايب عبر الفراغ، يجد المشاهد نفسه يتتبع أثراً لمسار آخر نحو عمل اسمه "قطط ضالة"، 2022، المعروض في سلسلة من الرسومات لقطط ضالة في شوارع الإمارات، ثم يصل المشاهد بعده إلى العمل المُسمى "نسخة طبق الظل"، 2022. هنا ينصت المشاهد فيسمع الفنان وهو يشرح كيف بدأ العمل عندما اكتشف أحد أصدقاء خالد صورة لظل شخص منشورة على إنستغرام، والذي بدا وكأنه يُشبهه. وهنا حاول خالد بشكل هزلي محاكاة الصورة نفسها من خلال التقاط صورة لظله مرة كل يومين لحظة غروب الشمس. يقترن العمل القائم على المحاكاة في عصر الإنستغرام بأثر النسخة المرسومة يدوياً لميمات القطط الخاصة به، والتي تعكس ثقافة الألفية، حتى إن الإشارة إلى الشاعر الفرنسي بودلير - كما وردت في اقتباس في مقال حول معرض ميليسا غروندلاند "أرى القطط الضالة كزملاء لنا في التسكع في الشوارع" - تستحوذ على انتباه المشاهد وتعود به مرة أخرى إلى جاك لاكان وإشارته إلى التكرار بالإكراه الذي يُفصح عنه أداء خالد باستخدام النسخ المُقلدة في أعماله. ونقول هنا لمن لا يعرف، إن بودلير ترجم قصة إدغار آلان بو "الرسالة المسروقة"، مما أتاح لجاك لاكان الاطلاع عليها بعد ذلك فذكرها في نظريته في التحليل النفسي، لكن يجب أن نشير أيضاً إلى شجبه الشهير للتصوير الفوتوغرافي وتصويره له على أنه "جنون وتعصُّب غير مُبرر هيمن على كل هؤلاء المحدثين من عبدة الشمس". تشكلت أعمال غريبة غير مبهجة "في الصالون"، 1859، والتي نرى أنها ذات صلة إلى حد ما بهذا التجمع الخاص لأعمال خالد.

 

1-let-me-tell-you-something-exhibition-image-courtesy-of-warehouse421-64ca00938b0a5.jpg (original)

 

من الملاحظة الأوَّلية التي تتصف باللامبالاة والنسخ المُقلدة للمتسكع والموظف المكتبي الذي يشعر بالغربة والملل في الأعمال السابقة، يبدو أن خالد يغيِّر مستوى وطبقة اللغة العاطفية ليتحول من الانكفاء الداخلي - والتحدث إلى ذاته وأعماله من النسخ المُقلدة/ صوره الرمزية - إلى البدء في إشراك الآخرين لينخرط الجميع في المشاهدة وهم يتحركون نحو العمق في مساحات المعرض. هنا نجد عملاً تركيبياً آخر في الفراغ في شكل محطة خدمة للحافلات الإيطالية بعنوان "حافلة فليكس"، 2022 والذي يتناول سرداً لقصة الفنان حول مجازفته الخاسرة مع الحافلة عام 2019، والتي افتتح بها المعرض. في الجزء الخلفي من موقف الحافلات الفارغ، والذي يرحب بزوار المعرض للجلوس فيه - تماماً كما فعل خالد بالفعل في ذلك اليوم المصيري - نجد قميصاً يمثل الزي الموحد لشركة فليكس باص كان خالد قد عثر عليه في متجر للبيع بسعر مُخفَّض بعد سنوات من وقوع الحادث، وكان مطبوعاً عليه كلمة "النجدة" بالإيطالية، وهي الكلمة التي بحث خالد عنها يائساً على موقع ترجمة جوجل. تكشف الأعمال عن هذا الاشتياق المستتر للتواصل مع الآخرين، وهي الوظيفة الأساسية لأي لغة بوصفها وسيلة تكسر قيود الاغتراب وتخلق وسيلة التعبير بالقول عن شيء ما. 

 

let-me-tell-you-something-1-64c9fc44a0a6a.JPG (original)

 

تتلاعب المجموعة الأولى من هذه الأعمال الفنية بشكل الرسالة وتجعل المُشاهد الذي يستخدم عدسة جاك لاكان يقهقه مع نفسه بسبب إدراكه المتأخر وإن كان "في مكانه الملائم تماماً". يحمل أحد الأعمال عنوان "الآنسة سيما"، 2022، وهو سلسلة من الرسائل المُوجهة إلى معلمة الفنان في الصف الثاني، والتي دربته على الكتابة بيده اليمنى. معظم الرسائل مكتوبة باليد اليسرى، ويظهر فيها بوضوح كيف أخذت اليد اليسرى تتولى زمام الأمور تدريجياً طوال هذا العمل. هنا نرى خالد يتغلب على لحظة الاغتراب الأصلية الأولى في حياته من خلال استعادته إبداعه الأصلي المتفرد أثناء كتابته هذه الرسائل. وهناك عمل ثانٍ يتمثل في مجموعة من الرسائل الثنائية المتبادلة، عنوانه "شكراً لك"، 2022. وهو يُمثل لوحة ثنائية من الرسائل، تحتوي الأولى على نسخة من رسالة تلقاها خالد من حارس الأمن في المبنى الذي يقطن فيه جرَّاء ركن سيارته في مكان مخالف، بينما تضم الثانية رد خالد على ذلك الحارس. يتحول المعرض من مجرد تركيبات أوَّلية من الأشياء والصور التي استحضرت تجربة الفنان ومزاولته الفن داخل سياقات تعددت وامتدت من إيطاليا إلى المكتب، ليدخل بنا إلى هذين العملين الأخيرين اللذين يسمحان لنا بالولوج إلى السردية الذاتية لخالد كإنسان نشأ في دبي ويعيش فيها. 

 

 

vml-1479-64ca00dc0d3ae.JPG (original)

 


هنا يتذكر المُشاهد، رؤيته ضمن محتويات حقيبة السفر في العمل التركيبي "الحقيبة"، 2022، ذلك القميص المميز أثناء افتتاح بينالي فكرة للتصميم الجرافيكي 2018 بعنوان "وزارة التصميم الجرافيكي" ليترك المشاهد يتساءل عن حقيقة ما يرغب الفنان في إطلاعنا عليه، هل هو مزاولته الفن وعلاقته بالبلد الذي يسميه الوطن، أم المشهد الثقافي المزدهر في هذا البلد. وفي حين تصمد أعمال خالد الفنية وتقاوم أي قراءة لها قد تستند إلى الهوية، نجد المُشاهد يدرك تلاعباً متقناً يُظهر التباين بين الانتماء والاغتراب، وهو التنويع الذي يتشارك خالد محصلته مع عدد من الفنانين الناشئين المُقيمين في الإمارات ممن سبق لعائلاتهم الهجرة إلى هذه الدولة الفتية في سنوات نشأتها الأولى، حيث شكَّلوا على مدار الخمسين عاماً الماضية مجموعة كبيرة مثَّلت معظم عناصر المجتمع الإبداعي الناشئ في الدولة. كيف يسبر هؤلاء الفنانون الشباب المهاجرون المحبون لأوطانهم الأم أغوار علاقتهم الذاتية بالانتماء في الوقت نفسه الذي كان فيه قطاع الفن المحلي الناشئ في دولة الإمارات يهدف في المقام الأول إلى تمثيل هوية وطنية إماراتية تدعم التبادل الفني على المستوى الدولي، في فعاليات تُعقد بمدن مثل مدينة البندقية؟ استناداً إلى تجربة استمرت إلى أكثر من عقدٍ من الزمان من التمثيل الإماراتي في بينالي البندقية، نرى الفن الإماراتي يهاجر إلى مدينة البندقية في فصل الربيع من كل عام، وفي المناسبة نفسها يتجمع هناك عدد من المتدربين الشباب والمتخصصين في الفن من المجتمعات المحلية الإماراتية ومعهم زملاؤهم ممن ينتمون إلى أصول عائلات هاجرت إلى دولة الإمارات ويقيمون في جميع أنحائها حالياً. وهناك تبدأ تجربتهم جميعاً في العالم الكبير والمُربك نفسه مثلما كانت تجربة خالد تماماً. يشير العمل الفني لخالد الذي يستخدم فيه أسلوب الاستعارة لفقدانه أمتعته وطلبه "النجدة" إلى أن هؤلاء الفنانين ربما ينتجون حالياً نوعاً من "فن الاغتراب" الذي ينبثق من رحم تجربتهم المعيشية في الواقع الاجتماعي والثقافي لدولة الإمارات العربية المتحدة في القرن الحادي والعشرين. وقد يُطلق عليه بشكل أكثر ملاءمةً فناً "ليس داخلياً خالصاً"، هذا إذا تلاعبنا بمعنى التعريف التاريخي للفن في حقبة الثمانينيات، والذي يتحدث عن الفنون العامية و"الهامشية" التي تتميز بالعين الساذجة لنكتشف أصواتاً أرهقها العالم وجودياً لفنانين مغتربين يُشكِّلون مزاعمهم بالانتماء من خلال فنهم (معبرين بذلك عن إحباطهم بسبب تحديات هذا العالم).

 

10-let-me-tell-you-something-exhibition-image-courtesy-of-warehouse421-64c9ffdd4151d.jpg (original)

 

.