"في التجلّي"، عملٌ تركيبي للفنان جمعة الحاج، يأخذ الزوار في رحلة تأملية تدريجية تقود نحو "الحِجر"، الذي يُشكّل فضاءاً منعزلاً للتوقّف والتأمّل. كما تتكامل تجربة العمل عبر الضوء، والمادة، والنقوش، جامعاً بذلك سلسلة من الحالات المكانية التي تنقل انتباه الزائر من الملاحظة الخارجية إلى الانتباه الداخلي لحضورٍ أكثر عمقاً واستمرارية.أُنجز العمل ضمن برنامج التطوير الفني للمعارض في 421، ليُعبّر عن انشغال الفنان المستمر بالعزلة وإمكاناتها.
وبدلاً من أن يصوّر فعل الانسحاب، يبني "في التجلّي" الظروف التي تتيح حدوثه، من خلال سياق يتباطأ فيه الزمن، وتلين فيه الحركة، ويحضر فيه الانتباه.
يعمل الحاج في مجمل ممارسته الفنية مع إيماءات خطّية تتراوح بين المقروء والمجرّد، واستُمدّت من قاموس لغوي طوّره الفنان على مر السنين، وهي ليست عبارات ثابتة، بل أشكال متحولة تظهر مُجزأة ومكررة ومتناثرة عبر أسطح مختلفة. وهنا تصبح اللغة مادة فنية بحدّ ذاتها تحمل آثار الفكر دون أن تستقر على قراءة واحدة.
يبدأ المعرض بقطعٌ زجاجية منقوشة بتلك الإيماءات، وتتوسطها لوحة مزدوجة، حيث يعيد الضوء المنساب عبر الزجاج رسم النقوش بالانعكاسات والظلال، فتتراوح بين التجلي والاختفاء، بينما تحتشد الإيماءات الفنية في اللوحة في مجال أكثر تركيزاً.
أما المساحة الأخيرة، "الحِجر"، فتقدّم حالة مكانية مغايرة، إذ تمتاز بإضاءتها الخافتة وأرضيتها المكسوة بالسجاد، تتوسطها بركة مائية هادئة محاطة بألواحٍ معلقة تحمل نقوشاً وكتاباتٍ تتشكل عبر الضوء والظل، وتجسد هذه المساحة الفكرة المركزية التي يطرحها العمل، ألا وهي "التفكّر"، بوصفه لحظة ممتدة من الحضور والانتباه والتأمّل الداخلي.
ويبقى معرض "في التجلّي" منفتحًا في رسالته، حيث تتشكّل المعاني من خلال حركة الزوار، وتوقّفهم، والوقت المستغرق داخل العمل الفني.
جمعة الحاج هو أحد المشاركين في دورة عام 2025 من برنامج التطوير الفني للمعارض في 421، بإشراف جولين فريزل.
برنامج التطوير الفني للمعارض هو مبادرة سنوية لبناء القدرات، تدعم الفنانين في بدايات مسيرتهم المهنية في دولة الإمارات، وتتيح لهم توسيع ممارساتهم، والتجريب بأساليب جديدة، وتطوير مجموعة مترابطة من الأعمال لمعرضهم الفردي المؤسسي الأول.
نبذة عن الفنان
جمعة الحاج (مواليد 1990، الإمارات العربية المتحدة) فنان بصري تمتد تجربته الفنية ما بين الرسم، والأعمال التركيبية، والنحت، والممارسات القائمة على النصوص. تنطلق ممارسته من التدوين اليومي، ورسم العلامات الإيمائية، والتكرار، ويستكشف من خلالها الذاكرة، واللغة، والإحساس الداخلي بالجسد، والآثار التي تتركها التجارب المعاشة. ومن خلال التجريد الإيمائي، يتقصّى الحاج العلاقة بين العالمين الداخلي والخارجي، محولاً الحالات الحسية، والأفكار والعواطف والأحاسيس الجسدية والذكريات واللحظات الزمنية، إلى أشكال مادية.
يحمل الحاج بكالوريوس العلوم في الاتصال البصري من الجامعة الأميركية في الشارقة، وماجستير العلوم في العلاقات الدولية، مع تركيز على البلاغة البصرية، وتشكلت ممارسته الفنية عقب مشاركته في عدد من برامج الإقامة الفنية البارزة، من بينها المجمع الثقافي في أبوظبي، إلى جانب تلقيه إرشاداً فنياً على يد تيد رامزي، الفنان المقيم في المدرسة الجديدة بشمال فيرجينيا، واختير الحاج مؤخراً للمشاركة في دورة 2025 من برنامج التطوير الفني للمعارض في مجمع 421 للفنون.
تشمل معارضه الفردية "أحاسيس داخلية"، من تقييم إيريس بروجكتس (2026)، و"راجعون"، من تقييم إيريس بروجكتس في السركال أفنيو، دبي (2023)، و"أطر حسيّة"، من تقييم آيرس بروجكتس لصالح فاوندري من إعمار، دبي (2021). أما مشاركاته في المعارض الجماعية، فتشمل "فن أبوظبي 2024" مع إيريس بروجكتس، أبوظبي (2024)، و"السرد.. رحلة بقاء"، من تقييم حمدة علي في مكتبة الصفا للفنون والتصميم، دبي (2024)، و"تواريخ غير رسمية"، من تقييم إيريس بروجكتس لصالح "فن الحياة" في جزيرة الجبيل، أبوظبي (2024)، و"سرد من دون قولٍ وخط" ضمن بينالي دبي للخط (2023)، و"الغرفة الزرقاء"، من تقييم إيريس بروجكتس لصالح "فن الحياة" في جزيرة الجبيل، أبوظبي (2022)، ومهرجان الفنون الإسلامية في الشارقة (2021)، و"حوارات كوفيد" في تشكيل، دبي (2021)، و"استكشافات في التجريد" في المرسم الحر ومركز القطارة للفنون (2021).
وتقتني أعمال الحاج عدة مجموعات عامة ومؤسسية، من بينها مؤسسة بارجيل للفنون، ومجموعة الدار المؤسسية، ومجموعة بولغري الفنية، ووزارة الخارجية والتعاون الدولي، ووزارة الثقافة، والجامعة الأميركية في الشارقة، ومجموعة قصر الوطن، ومقتنيات دبي.
يقيم جمعة الحاج حالياً بين باريس، فرنسا، والشارقة، الإمارات العربية المتحدة.
