
يوتوبيات اسمنتية
شاهين فلاحي وقيس عيوش
الفكرة
تتضمن الممارسة الفنية لشاهين وقيس جمع وتسجيل وتحويل المواد التي تم العثور عليها إلى أرشيفات متعددة الوسائط ومصنوعات يدوية. وفي مواجهة الاختفاء والدمار البيئي، يسألان نفسيهما: كيف بإمكان أشكال الأرشفة البديلة أن توفر مساحة لأولئك الذين مُسح تاريخهم بشكل منهجي؟ وفي هذا الصدد، يصبح التقاط المتروك، والاهتمام بالمهملين والمهمشين والمنسيين، وسيلة لسرد قصص الأشخاص والكائنات التي توشك أصواتها على الاختفاء.
تمحورت أبحاث الثنائي في الآونة الأخيرة حول فكرة المناظر الطبيعية كأرشيف حي، واستقصاء كيفية ظهور التواريخ المتداخلة لليبرالية الجديدة والاستعمار في البيئات المبنية والنظم العمرانية. ومن خلال استكشاف المنطقة المحيطة بمسقط رأسهما في الدار البيضاء، قاما بتطوير العديد من المشاريع، على مدى العامين الماضيين، لتوثيق الهوامش غير المرئية للمدينة والتحولات التي تؤثر على مشهدها الحالي.
أما بالنسبة للمشروع الذي كانا يهدفان إلى تطويره خلال الإقامة الفنية المنزلية، تحول تركيز شاهين وقيس إلى سياسات التخطيط العمراني، والتفكير في آثار التخمين العقاري وتراكم المباني غير المكتملة في المدينة. ففي العقدين الماضيين، واجهت الدار البيضاء زيادة مطردة في الطلب على السكن والذي قوبل بتخمينات عقارية غير منظمة أو خاضعة للرقابة. ومع قيام الشركات الخاصة باستثمار المزيد والمزيد من الأراضي في المدينة وفي محيطها لتطوير المشاريع السكنية، فإن عداً كبيراً منها لا يتجاوز المراحل الأولى، فتتحول إلى مجرد مواقع للبناء. أصبح سكان تلك الأراضي والمناطق المحيطة بها الآن جيراناً لمبانٍ غير مكتملة ومواقع بناء مهجورة أصبحت مع مرور الوقت تشبه أوابد حديثة.
دفعت هذه المواقع المعلقة في حالة غامضة بين الوعد بوطن مستقبلي ومشروع سكني لم يكتمل الفنانين إلى طرح الأسئلة التي رسمت معالم اقتراحهم الأولي للإقامة: ما الذي نبنيه لمجتمعاتنا ومتى يصبح المبنى منزلاً؟ علاوة على ذلك، عندما يصبح المشروع السكني موقعاً مهجوراً، ما هي العلاقات الجديدة التي يمكن أن تنسجها هذه المباني المهجورة مع بيئتها العمرانية؟ كيف بإمكان المجتمعات استعادة هذه المساحات المتبقية لنفسها وللأحياء المحيطة بها؟
التنفيذ
التوثيق/البحث الميداني:
تضمنت المرحلة الأولى من مشروع شاهين وقيس بحثاً ميدانياً مكثفاً، ورسم خرائط، وتوثيق وتصوير مواقع مختلفة في جميع أنحاء المدينة، بالإضافة إلى عقد الاجتماعات مع الجهات السياسية والمجتمعية المعنية لفهم الآثار المترتبة على سياسة التخطيط العمراني من وجهات نظر مختلفة بصورة أعمق.
وخلال زياراتهم للموقع، قاما بجمع الأشياء ومواد البناء ، وأمضوا خلال العملية وقتاً في استكشاف الصفات النحتية لهذه المواد، والتي أصبحت فيما بعد أساساً لإنشاء مدينة مصغرة.
عمل تشاركي:
شملت المرحلة اللاحقة التوعية المجتمعية، والاجتماع مع مختلف منظمات المجتمع المحلي لتشكيل مجموعة تشارك في برنامج الورش، ودعوة المشاركين إلى تقديم مقترحات جماعية لمستقبل المدينة. ثم تعاون الفنانان مع شباب البرج، وهي منظمة شعبية مكرسة للحراك الاجتماعي والبيئي، وقررا التعاون معها في هذا البرنامج، فعملوا مع مجموعة مكونة من 12 شاباً، ثم قاموا معاً بإعادة استخدام الأدوات المستوحاة من الممارسات المعمارية، مثل عرض تركيب الصور وصنع النماذج، وتخيل إعادة التخصيص الإبداعي لمواقع البناء المهجورة لصالح المجتمع.
أثار هذا البرنامج العديد من المحادثات والمناقشات حول علاقتنا بالبيئة العمرانية والشكل المتوقع لمستقبل المدينة. استخدم المشاركون أسلوب التخمين كأداة لبناء رؤى بديلة للمستقبل، فأنتجوا سلسلة من المقترحات التي تعيد تصور طرق السكن في المساحات المتروكة ومواقع البناء المهجورة. لا تسعى هذه المقترحات المفتوحة والتأويلية إلى تقديم إجابة محددة حول كيفية وضع اللمسات النهائية على هذه الهياكل غير المكتملة، بل تهدف إلى التعمق في الإمكانيات التي تحملها. إن التمثيلات النابعة من هذه المقترحات مشبعة بإحساس المآلات المحتملة، وطابع زمني زائل يدفعنا إلى عوالم لم تأت بعد.

النتيجة
ظهرت مجموعة عمل متعددة الوسائط، والتي توجه دعوة للتعامل مع الروايات البديلة لحاضر بيئتنا المبنية ومستقبلها، اعتماداً على المحادثات والأعمال التي أنشئت خلال الزيارات الميدانية والبرنامج التشاركي وجمع المواد من الموقع.
تتخلل هذا العمل بعض الأسئلة المركزية وهي: كيف نسكن فيما لا يمكن العيش فيه؟ كيف يمكننا استرداد مستقبل مشترك لمدننا؟
يتضمن العمل ما يلي:
- رافعات الدار البيضاء (8 عناوين مطبوعة، ناطق، ملون، 24 إطاراً في الثانية، دقيقة واحدة و50 ثانية) مقطع فيديو يوثق موقع بناء مهجور يقع على ساحل الدار البيضاء، يستضيف مجموعة من الرافعات وتسكنه الطيور المهاجرة.
- كلاب ضالة (صورة بفيلم 35 مم مطبوعة على ورق فني رقيق 300 غ/م2). وهي صورة التُقطت في أحد المشاريع العقارية المنتشرة على أطراف الدار البيضاء، ويظهر فيها كلبان يستريحان على كومة من الحصى، وتظهر في الخلفية فيلا قيد الإنشاء.
- مدينة حديثة (طوب وبلاط وألعاب بلاستيكية عرض فيديو عالي الدقة من فيلم شرائح رقمي مقاس 35 مم وفيلم Super 8). عمل تركيبي تركيب مصنوع من طوب البناء المعاد تصميمه على شكل مدينة مصغرة، مع إسقاطات الأفق الدار البيضاء ولقطات من فيديو "رافعات الدار البيضاء" . يستوحى هذا العمل التركيبي من ورشة مع أطفال منظمة شباب البرج.
- يوتوبيات اسمنتية (سلسلة من صور الكولاج المطبوعة على الشاشة بعرض معماري ثلاثي الأبعاد). سلسلة من الكولاج التي تعبر عن إعادة تخصيص تخمينية لمواقع البناء غير المكتملة. هذه السلسلة نتاج ورشة مع أطفال منظمة شباب البرج.
- عرض مسطح (كتاب، 36 صفحة، 15 × 20 سم). كتاب يستكشف لغة صور التسويق العقاري من خلال سلسلة من الصور الفوتوغرافية السينمائية قياس 35 ملم لأسوار مواقع البناء، مصفوفة في حوار مع نص كتبه ياسين رشيدي، وهو فنان وكاتب متخصص في التمدن النقدي.

عن الفنانة
مجموعة كيما
تم تشكيل مجموعة كيميا من قبل الفنان التشكيلي والمخرج السينمائي شاهين فلاحي المعماري والمصور قيس عوش. تتضمن أعمالهم الأفلام التجريبية والتصوير الفوتوغرافي والتركيبات الفنية، ومن خلال خبراتهم الإبداعية المختلفة يبتكرون مساحات للحوار متعدد التخصصات. إن ممارستهم المشتركة هي استقصائية وطقوسية بطبيعتها ، وغالبًا ما تعتمد على البحث النقدي والتجريب مع المواد المختلفة وعمليات صنع الصور لاستكشاف الأسئلة المتعلقة بالبيئة والتاريخ الاستعماري وسياسة المحفوظات. ومن خلال العمل عبر العمليات الرقمية والتناظرية ، يقوم الفنانون بتسخير الأفلام والتصوير الفوتوغرافي كأدوات لابتكار طرق جديدة لكشف التاريخ الماضي والحاضر الذي تم تهميشه أو إهماله أو نسيانه. كما أنهم مهتمون باستكشاف المنطقة شبه الحضرية في مسقط رأسهم، الدار البيضاء، حيث طوروا، على مدى السنوات الماضية ، العديد من المشاريع التي توثق الهوامش غير المرئية للمدينة والتحولات التي تؤثر على المناظر الطبيعية المحلية.
